الدلالة الفلسفية

ملخص محطات من تاريخ تطور الفلسفة


نشأت الفلسفة في بلاد اليونان ، لكنها انتقلت إلى بلاد أخرى واستمرت إلى اليوم حيث مرت عبر محطات تاريخية مختلفة … فما هي المحطات الأساسية في تاريخ الفلسفة؟ وما هو الثابت والمتغير في هذه المحطات؟
ظهرت الفلسفة كما رأينا في اليونان نتيجة تطورات مست البنية الثقافية والفكرية للعالم الإغريقي. وقد اهتمت الفلسفة في بداياتها لأولى بتفسير أصل العالم " الماء أصل كل الأشياء". وتطورت الفلسفة وبلغت أوجها وتوهجها مع سقراط وأفلاطون وطاليس عبر مساهمات خالدة كنظرية المثل الأفلاطونية والمنطق الأرسطي، وقبل ذلك ضحى سقراط بنفسه دفاعا عن الفلسفة وعن مبادئها..  لكن "لكل شيء إذا ما تم نقصان" فكان الانحدار، وكان الانتقال  إلى العالم الإسلامي عن طريق الترجمة، خصوصا في عهد الملك العباسي المأمون الذي كان محبا للعلم ومتسامحا مع الفكر الآخر، فظهر بيت الحكمة لترجمة كتب الحضارات الأخرى ومنها اليونانية . وبالطبع كان لكتب الفلاسفة حظ من هذه الترجمة التي من خلالها تعرف المسلمون على الفلسفة اليونانية، رغم ما شاب ذلك من تحريف. فظهر الكندي والفارابي وابن سينا …. لكن رد فعل الفقهاء كان قويا ضد هذا الوافد الجديد، فحرموا الاشتغال بالفلسفة "لأن أغلب ما فيها كفريات". وقد تلقت الفلسفة ضربة قاسية على يد أبي حامد الغزالي  الذي رد على الفلاسفة في مجموعة كتب أهمها " تهافت  الفلاسفة" مبينا أن أكثر ما فيها أغاليط  لا يقبلها العقل نفسه….. يحاول ابن رشد رد الاعتبار للفلسفة فيكتب "تهافت التهافت" ردا على الغزالي ، كما كتب " فصل المقال …." ليخرج بحكم شرعي يقرر وجوب الاشتغال بالفلسفة على أساس علاقة التوافق بينها وبين الشريعة فكلاهما حق ، "الحق لا يضاد الحق ، بل يوافقه ويشهد له" . لكن المجتمع الإسلامي لم يتسامح مع ابن رشد نفسه، فتم إحراق كتبه في الساحة العمومية. وانتهت رحلة الفلسفة في المجتمع الإسلامي. ومرة أخرى ما كادت تشارف على النهاية حتى توجهت وجهة محطة أخرى هي الغرب المسيحي هناك استقبلت الفلسفة بحفاوة. وقد مثلها في شكلها الحديث الفيلسوف الفرنسي ديكارت أب الفلسفة الحديثة الذي مارس الشك المنهجي في كل شيء ليعيد بناء المعرفة بناء صلبا يقينيا قائما على العقل. لذلك دعا إلى تجاوز المنطق الذي وضعه أرسطو مقترحا كبديل لذلك منهجا جدبدا يتكون من أربع قواعد توصل إلى المعرفة اليقينية النافعة والمفيدة للإنسان. وهو ما كان فعلا حيث اتجه الفكر الفلسفي إلى البحث في آليات للسيطرة على الطبيعة وتسخيرها لخدمة الإنسان، ومنه انبثق كل من العلم والتقنية. وجدت الفلسفة في المجتمع الغربي حاضنا لها فاستمرت هناك منذ أن هجرها المسلمون إلى الآن. ظهرت المرحلة الثانية من الفلسفة الغربية وهي الفلسفة المعاصرة التي تبدأ من القرن العشرين إلى الآن. كان للعلم الدور الكبير في القرن العشرين فماذا بقي للفلسفة ؟ يجيب راسل عن هذا السؤال مبينا أن المواضيع التي توجد على حدود العلم هي التي تهتم بها الفلسفة كإشكاليات إبستمولوجية، أي أن الفلسفة تمارس مهمة  نقد العلم بالبحث في مشاكله المنهجية والأخلاقية ، كما تمارس مهمة أنطولوجية تتمثل في تأمل  الوجود البشري وما ينجم عن خضوعه للضرورات من تأثير على المصير الإنساني.
    هكذا إذن مرت الفلسفة عبر تاريخها الطويل بمراحل متعددة اختلفت على مستوى المكان والزمان والقضايا والمفاهيم،  لكنها اتفقت على فعل التفلسف الذي بدونه يغيب ذلك الخيط الناظم بين هذه المحطات جميعها والذي يتجلى في الاستدلال العقلي والنقد والشك والمراجعة والتأمل والتساؤل … وكلها أدوات تضفي منطقا خاصا على هذا الفعل، فما هو منطق الفلسفة إذن ؟

التعليقات
0 التعليقات