ملخص مبسط لدرس الشخص

مفهوم الشخص: الهوية، القيمة، والحرية



مجزوءة الوضع البشري

تقديم عام وتأطير إشكالي

من خصائص الفلسفة الكلية والشمولية، فهي تضع كل موضوع موضع بحث وتحليل وتطرحه للنقاش والتساؤل. ولعل الموضوع المتميز الذي أثار اهتمام الفلسفة منذ نشأتها هو الإنسان، في محاولة للبحث في حقيقته وتحديد جوهره وماهيته.

فتساءل الفلاسفة: ما الإنسان؟ وهذا السؤال يحيل مباشرة إلى الهوية والماهية الثاوية وراء الظاهر والعرضي.

الأسئلة الإشكالية الناظمة للمفهوم:
ما هو هذا الثابت الذي يشكل هوية الشخص؟ ومن أين يستمد هذا الأخير كل هذا الاهتمام والتقدير؟ أين تكمن قيمته؟ وهل هو حر أم خاضع للضرورة؟

المحور الأول: الشخص والهوية

تلك هي الإشكالات التي حاولنا مقاربتها ونحن نشتغل فلسفياً على مفهوم الشخص. هذا المفهوم الذي يتحدد باعتباره الذات العاقلة، الواعية، المفكرة، والحرة، والتي تعود إليها مسؤولية أفعالها. هذا التعريف يضعنا في جوهر عملية تحديد الهوية الشخصية، أي العنصر أو العناصر الثابتة التي تضفي الوحدة والاستمرارية على الأنا وتجعله "هو هو" رغم التغيرات التي تطرأ عليه.

حاول الفلاسفة، كل من زاوية نظر محددة، البحث في أساس الهوية:

🧠 جون لوك (John Locke)
يحدد الهوية في الشعور باعتباره إدراكاً حسياً مستمراً في الزمان، والذي يتخذ شكل وعي ممتد في الماضي والحاضر عبر الذاكرة، وهو ما يميز الأنا ويضفي عليه الوحدة والاستمرار.
⚙️ أرتور شوبنهاور (Schopenhauer)
يرفض ربط الهوية بالذاكرة لأنها ينتابها النسيان والخلل والهرم؛ ويرى في المقابل أن ما يشكل الهوية هو الإرادة كنزوع غريزي للبقاء يستمر ما استمر الإنسان في الوجود.

المحور الثاني: الشخص بوصفه قيمة

هكذا فهوية الشخص تضفي عليه الوحدة والثبات، كما تضفي عليه قيمة وتميزه عن الكائنات الأخرى.

يرى إيمانويل كانط أن هذه القيمة تتأسس على العقل العملي الأخلاقي، ما يجعل الشخص غاية في ذاته عكس الأشياء التي تتخذ كوسيلة. أكثر من ذلك، يمتلك الشخص كرامة تفرض التعامل معه على أساس قاعدة الاحترام والمساواة، وذلك باعتباره كائناً عاقلاً وأخلاقياً يلتزم بالواجب الأخلاقي ويستجيب لنداء العقل ويتحرر من الأهواء والميول، ما يجعله شخصاً مستقلاً بذاته.

إلا أن غوسدورف يرى، في المقابل، أن هذه القيمة لا يستمدها الشخص من استقلاله وانعزاله عن الآخرين؛ لأن الشخص الأخلاقي لا يوجد إلا بالغير، ومن خلال التضامن، التكامل، والانخراط في جماعته ومشاركتها في تجسيد القيم الأخلاقية العليا.

المحور الثالث: الشخص بين الضرورة والحرية



وجود الشخص داخل الجماعة يطرح هو الآخر إشكالية الحرية والضرورة. فإذا كان الشخص يمتلك الوعي فهو مسؤول عن أفعاله وهذا يفترض أنه حر، لكن العلوم الإنسانية رأت في ذلك مجرد فرض نظري وتجرد:

  • المقاربة السوسيولوجية (دوركايم): بيّن علم الاجتماع أن الفرد خاضع لحتمية وإكراهات اجتماعية؛ فحيث يذوب "الأنا" في "النحن" عبر التنشئة الاجتماعية، يغدو الضمير الشخصي مجرد صدى لما يسميه دوركايم "الضمير الجمعي" الذي يمثل صوت المجتمع داخلنا.
  • المقاربة النفسية (فرويد): تستمر مدرسة التحليل النفسي في إلغاء وهام الحرية؛ حيث يرى فرويد أن البناء النفسي خاضع لحتمية سيكولوجية تتمثل في اللاشعور والمكبوثات الغريزية. فالشخصية تتحدد ملامحها في الماضي، وتتحرك بدوافع عدوانية وجنسية رغماً عن وعي الإنسان وإرادته، مما يجعل الفرد منفعلاً لا فاعلاً.
🚨 المفارقة النقدية:
لكن هل بعد كل هذه الضرورات من حرية؟ وهل يمكن والحال هذه أن نتحدث عن أنا وعن ذات واعية حرة ومسؤولة؟ إن انتزاع الحرية من الإنسان يسقطنا في مفارقة: إذ كيف يمكن أن نحاسب الإنسان وننسب إليه مسؤولية أفعاله وهي غير نابعة من إرادته وحريته؟

يكمن الجواب في دلالة مفهوم الشخص نفسه؛ فهو يتحدد أساساً بالوعي، وهذا الوعي يمثل الخطوة الأولى للتحرر من الحتميات المختلفة. لذلك اعتبر كارل ماركس أن "الحرية هي وعي بالضرورة".

وفي ذات السياق الوجودي، يعرّف جان بول سارتر الشخص بأنه مشروع، وبأن ماهيته تكمن في الحرية؛ فهو يستطيع عبر العمل والشغل أن يصنع نفسه بنفسه في إنتاج مستمر لذاته وتجاوز لوضعيته الحالية نحو الممكن المستقبلي.

كما يعترض إيمانويل مونيي على اختزالية العلوم الإنسانية التي نظرت للإنسان كموضوع أو شيء، مؤكداً أن الشخص يظل كائناً متميزاً بفعالية حرة يحياها باستمرار وتسمو به فوق كل الإكراهات.

✅ خلاصة تركيبية عامة

في الختام، يتبين لنا الطابع الإشكالي لمفهوم الشخص، فهو ينفتح على عدة مقاربات تتراوح بين ما هو فلسفي، سيكولوجي، وسوسيوثقافي. فإذا كان الشخص هو ذلك الأنا المتميز الذي يمتلك هوية خاصة، فإن قيمته تتحدد في ذاته ككائن واعٍ وأخلاقي يعيش داخل مجتمع؛ يخضع لقيمه وثقافته وإكراهاته التي لا تلغي حريته مطلقاً، وإنما تشرطها وتنقلها من مستوى التجريد إلى مستوى العمل والفعالية.

🔗 سؤال الانفتاح على المفهوم القادم: وعبر هذا التميز ينتقل الإنسان من الكائن الفرد إلى الشخص القادر على الإبداع والانفتاح على الغير.. وهنا نسأل: أي علاقة ممكنة للأنا بالغير؟

📺 شاهد الخاتمة والتركيب بالفيديو

يمكنك مشاهدة فيديو الخلاصة العامة لمفهوم الشخص والتفاعل معنا عبر منصة اليوتيوب:

▲ العودة إلى أعلى الصفحة