الدلالة الفلسفية

ملخص درس الشخص - محاولة رقم 1-


      
من خصائص الفلسفة الكلية والشمولية، فهي تضع كل موضوع موضع بحث وتحليل وتطرحه للنقاش والتساؤل. ولعل الموضوع المتميز الذي أثار اهتمام الفلسفة منذ نشأتها هو الإنسان في محاولة للبحث في حقيقته وتحديد جوهره وماهيته، فتساءل الفلاسفة ما الإنسان؟ السؤال يحيل إلى الهوية والماهية الثاوية وراء الظاهر والعرضي. فما هو هذا الثابت الذي يشكل هوية الشخص؟ ومن أين يستمد هذا الأخير كل هذا الاهتمام والتقدير ؟ أين تكمن قيمته؟ وهل هو حر أم خاضع للضرورة؟
     تلك هي الإشكالات التي حاولنا مقاربتها ونحن نشتغل فلسفيا على مفهوم الشخص. هذا المفهوم الذي يتحدد باعتباره الذات العاقلة والواعية والمفكرة والحرة والتي تعود إليها مسؤولية أفعالها. هذا التعريف يضعنا في جوهر عملية تحديد الهوية الشخصية، أي العنصر أو العناصر الثابتة التي تضفي الوحدة والاستمرارية على الأنا وتجعله "هو هو" رغم التغيرات التي تطرأ عليه. حاول الفلاسفة كل من زاوية نظر محددة البحث في أساس الهوية. فالفيلسوف الانجليزي لـوك يحددها في الشعور باعتباره إدراكا حسيا مستمرا في الزمان الذي يتخذ شكل وعي ممتد في الماضي والحاضر عبر الذاكرة وهو بالتالي ما يميز الأنا ويضفي عليه الوحدة والاستمرار. هذا الوعي المرتبط بالذاكرة يرفضه شوبنهاور على اعتبار أن الذاكرة ينتابها النسيان والخلل والهرم، وبالتالي لا يمكن أن تشكل عنصرا ثابتا وجوهريا في الأنا.. ويرى في مقابل ذلك أن ما يشكل الهوية ليس الذاكرة وإنما الإرادة كنزوع غريزي للبقاء يستمر ما استمر الإنسان في الوجود وهو الذي يشكل جوهر ونواة هذا الوجود.
وهكذا فهوية الشخص تضفي عليه الوحدة والثبات كما تضفي عليه قيمة وتميزه عن الكائنات الأخرى . يرى كانط أن هذه القيمة تتأسس على العقل ما يجعل الشخص غاية في ذاته عكس الأشياء التي تتخذ وسيلة. أكثر من ذلك يمتلك الشخص كرامة تفرض التعامل معه على أساس قاعدة الاحترام والمساواة، وذلك باعتباره كائنا عاقلا وأخلاقيا يلتزم بالواجب الأخلاقي ويستجيب لنداء العقل ويتحرر من الأهواء والميول ما يجعله شخصا مستقلا بذاته. إلا أن غوسدورف يرى أن هذه القيمة لا يستمدها الشخص من استقلاله وانعزاله عن الآخرين لأن الشخص الأخلاقي لا يوجد إلا بالغير من خلال التضامن والتكامل والانخراط  في جماعته ومشاركتها في تجسيد القيم الأخلاقية العليا....

وجود الشخص داخل الجماعة يطرح هو الآخر إشكالية الحرية والضرورة. فإذا كان الشخص يمتلك الوعي فهو مسؤول عن أفعاله وهذا يفترض أنه حر، لكن العلوم الإنسانية رأت في ذلك مجرد فرض نظري. فعلم الاجتماع مثلا بين أن الفرد خاضع لحتمية وإكراهات اجتماعية ذلك أن المجتمع يطبع الفرد بطابعه الجماعة التي ينتمي إليها حيث يذوب "الأنا" في "النحن" من خلال عملية التنشئة الاجتماعية ، بل إن الضمير الذي نعتبره شخصيا ما هو إلا صدى لما يسميه دوركايم الضمير الجمعي الذي يمثل صوت المجتمع داخل كل واحد منا. تستمر عملية إلغاء الذات والأنا مع مدرسة التحليل النفسي حيث يعتبر فرويد أن الشخصية على مستوى بنائها النفسي خاضعة لحتمية سيكولوجية تتمثل في اللاشعور الذي يحيل إلى الجانب الغريزي وكل المكبوتات المخزونة وغير المعترف بها من طرف الوعي والشعور. إن شخصية الفرد قد تحددت في الماضي ولا إمكانية لتغييرها في الحاضر والمستقبل.. أكثر من ذلك فكل الأنشطة الإنسانية محكومة بدوافع غريزية تتراوح بين ما هو عدواني وجنسي رغما عن وعي الإنسان وإرادته. كل ذلك يجعل الفرد سلبيا منفعلا لا فاعلا. وبالتالي يلغي حريته وإرادته .  لكن هل بعد كل هذه الضرورات من حرية ؟ وهل يمكن والحال هذه أن نتحدث عن أنا و عن ذات واعية حرة ومسؤولة؟
إن انتزاع الحرية من الإنسان يسقطنا في مفارقة إذ كيف يمكن أن نحاسب الإنسان وننسب إليه مسؤولية أفعاله وهي غير نابعة من إرادته وحريته؟
يكمن الجواب في دلالة مفهوم الشخص نفسه، فهو كما رأينا يتحدد أساسا بالوعي هذا الوعي الذي يمثل الخطوة الأولى للتحرر من الحتميات والضرورات المختلفة التي لا يمكن إنكارها. لذلك اعتبر ماركس الحرية "وعي بالضرورة". إن الشخص يعيش داخل وضعيات محددة، لكن وعيه بها يمكنه من التعالي عليها وتجاوزها والانفتاح على ممكنات أخرى ليست في الماضي ولا الحاضر وإنما توجد فالمستقبل. يعرف سارتر الشخص بأنه مشروع، وبأن ماهيته تكمن في الحرية تبعا لذلك، فهو يستطيع عبر العمل/الشغل أن يصنع نفسه بنفسه في إنتاج مستمر لذاته. يعترض مونيي هو الآخر على النتائج التي انتهت إليها العلوم الإنسانية باعتبارها اختزالية وتبسيطية، لأنها تنظر إلى الإنسان كموضوع أو شيء وتحصره في بعد واحد. في مقابل ذلك يظل الشخص ذاتا لها وعي وإرادة مستقلة قادرة على التحرر كفعالية يحياها الشخص باستمرار وفق شروط عامة للحرية تجعلها قيمة وأيضا موقفا معيشيا تسمو بالإنسان فوق الإكراهات والضرورات.
       في الختم يتبين لنا الطابع الإشكالي لمفهوم الشخص، فهو ينفتح على عدة مقاربات تترواح بين ماهو فلسفي وسيكولوجي وسوسيوثقافي. فإذا كان الشخص هو ذلك الأنا المتميز الذي يمتلك هوية خاصة، فإن قيمته تتحدد في ذاته ككائن واعي وأخلاقي، يعيش داخل مجتمع، يخضع لقيمه وثقافته ولإكراهاته التي لا تلغي حريته مطلقا، وإنما تشرطها وتنقلها من مستوى التجريد إلى مستوى العمل وعبرها ينتقل الإنسان من الكائن الفرد إلى الشخص القادر على الإبداع والعمل والتغيير والانفتاح على الغير. وهنا نسأل أي علاقة ممكنة للأنا بالغير؟


التعليقات
0 التعليقات