الدلالة الفلسفية

تركيب مجزوءة الوضع البشري


    إن مقاربة الوضع البشري، بما هو حالات الوجود الإنساني، مقاربة فلسفية تكشف مفارقات وإشكالات عدة لعل أهمها إشكالية الضرورة والحرية، فهل الوجود البشري محكوم بالضرورة أو منفتح على الحرية؟

    لا يمكن إنكار جانب الضرورة في الوجود الإنساني، ذلك أن الشخص في أبعاده المتعددة خاضع لإكراهات الضرورة سواء في بعده البيولوجي حيث قوانين الوراثة، أو في بعده السيكولوجي حيث دوافع اللاشعور، وكذا في بعده الاجتماعي حيث القوانين والقيم الاجتماعية والأخلاقية. أما على المستوى العلائقي فإن الغير بما يمثله من اختلاف عن الذات يشكل هو الآخر عامل سلب وإقصاء بما يفرضه وجوده من علاقات صراع ونفي. إضافة إلى ذلك يجد الإنسان نفسه في مجال التاريخ خاضعا لمنطق يتعالى عن إرادته، ليجعل منه مجرد وسيلة في يد قوة خفية تتقدم به في اتجاه تحقيق غاية وفق منطق يتجاوز اختياراته.
    لكن مقابل كل ما سبق يمكن القول بوجود هوامش للحرية تجعل الوضع البشري منفتحا على الحرية. فالشخص يمتلك استقلالا ذاتيا تجاه تلك الإكراهات أو الضرورات، بما يمكنه من تجاوز وضعه باعتباره مشروعا قادرا على النفي والإبداع في إطار بنائه المستمر لذاته، ودخوله في علاقات إيجابية مع الغير الذي يعتبر مرآة لوعي الذات وإثباتها، كما يشكل الصديق الذي يستحق التضحية والتضامن. وهكذا فوعي الذات وأيضا الوعي بالشروط الموضوعية المحركة للتاريخ يشكل أساس القدرة على التغيير والفاعلية البشرية في إطار وجود منفتح على إمكانيات لا حصر لها.
    بناء على ما سبق فإن الشروط الموضوعية التي تشرط الوضع البشري لا تنفي حريته مطلقا، لكنها تمثل شحذا لتلك الحرية والإرادة من أجل تجاوز وضعه داخل العالم الذي يعتبر مجالا للنشاط الإنساني القائم على احترام الذات من جهة واحترام الغير من جهة أخرى وامتلاك شروط الفعل التاريخي، وكل ذلك لا يتم إلا إذا امتلك الإنسان أسباب ذلك وأهمها المعرفة. 


التعليقات
0 التعليقات