الدلالة الفلسفية

ملخص درس النظرية والتجربة


    يسعى الإنسان إلى معرفة الظواهر وتفسيرها بالاعتماد على العقل كقدرة على التفكير والتأمل من جهة، وعلى الحواس كواسطة بينه وبين الواقع من جهة أخرى. وهو ما يطرح إشكالية
علاقة العقلي النظري بالواقعي التجريبي في بناء المعرفة العلمية. فما المقصود بالنظرية والتجربة؟ وما خصائص العقلانية العلمية؟ وما الذي يضفي العلمية على النظرية؟
    تتحدد النظرية فلسفيا كإنشاء تأملي للفكر يربط نتائج بمقدمات، وهو ما يجعل بناء عقليا استدلاليا استنباطيا. أما التجربة فتعني إعادة إنشاء الظاهرة المدروسة داخل المختبر وملاحظة متغيراتها. هذا التجريب العلمي يختلف عن التجربة العادية المباشرة العفوية غير المنظمة. فالتجريب يدخل في إطار منهج تجريبي يتضمن خطوات هي: الملاحظة والفرضية والتجريب والنتائج. يعطي المنهج التجريبي الاستقرائي الأولوية لتجريب ويهمش دور العقل. إلا أن تطور العلم أبان عن قصور وعجز ومحدودية هذا المنهج في تفسير جميع الظواهر، و ما فرض الاعتماد على العقل من خلال ما يقدمه من فرضيات وتجارب ذهنية مكملة للتجربة الواقعية المخبرية. ما يعكس قدرة العقل على الإبداع والابتكار والخيال. نتج عن ذلك إعادة النظر في أسس العقلانية العلمية التي أصبحت منفتحة على كل مكونات بناء المعرفة العلمية سواء تعلق الأمر بالتجريب العلمي الاستقرائي الذي يعطي الأولوية للملاحظة والتجربة عند الوضعيين،  أو بالعقل الرياضي الاستنباطي الذي ينفتح على الخيال ويبني نماذج صورية خصوصا في مجال الرياضيات والفيزياء النظرية. لذلك انتبه العلماء إلى ضرورة التكامل والتوفيق بين العقل والتجربة في بناء المعرفة العلمية. فداخل العلم لا يمكن إلغاء أحد المكونين على حساب الآخر. كما غيرت الثورة العلمية تصوراتنا لعلمية النظرية التي كانت تنحصر في معيار التحقق التجريبي بالتطابق مع الواقع القابل للملاحظة والتجريب. لقد أصبح هذا الواقع نفسه متجاوزا، إذ تم الانتقال من الواقع الحسي كمعطى مباشر إلى الواقع الذي يفترضه العالم ويبنيه انطلاقا من مسلمات وأوليات باعتماد المنهج الأكسيومي، حيث يصبح معيار الصدق ليس التجريب الكلاسيكي وإنما تطابق مع مبادئ المنطق والانسجام بين المبادئ والنتائج داخل النظرية، حيث تستمد النظرية صدقها من داخلها، وذلك بالانسجام بين مقدماها ونتائجها. كما دعا العلماء إلى اعتماد معيار الاختبارات المتكررة والمتنوعة بحيث لا تقتصر على التجريب الكلاسيكي وإنما تتعداه إلى اختبار الفروض النظرية وإضافة أخرى جديدة ومكملة ومقارنتها بنظريات أخرى لاختبار تماسكها الداخلي وكذا الخارجي. وأمام استحالة إخضاع بعض النظريات للتحقق التجريب يقترح العلماء معيار فحص النقدي للنظرية انطلاقا من بنائها المنطقي في محاولة لتكذيبه وتفنيده وبيان محدوديته.
    نخلص إلى أن حركة العلم وديناميته ترتبط بتجاوز كل ما هو لا علمي، لكنها تنفتح على كل ما يسهم في تلك الحركية. وهكذا يتكامل داخل مجال المعرفة العلمية النظري بالتجريبي والعقلي بالواقعي والخيالي بالحسي. أكثر من ذلك يظل العلم منفتحا على كل جديد مادام يقبل النقد والمراجعة. والسؤال المطروح، إذا استطاع العلم تكوين معرفة بالطبيعة، فهل بمقدره معرفة الإنسان؟

التعليقات
0 التعليقات