الدلالة الفلسفية

المحور الأول موضعة الظاهرة الإنسانية



    لا يمكن إضفاء صفة العلمية على المعرفة ما لم تستوف شرط الموضوعية، وذلك بموضعة الظاهرة. فما المقصود بالموضعة؟ وهل يمكن موضعة الظاهرة الإنسانية؟ وما هي الصعوبات لتي تعترض ذلك؟

    تعتبر الموضعة مطلبا وشرطا أساسيا في المعرفة العلمية ويقصد بها دراسة الظاهرة دراسة موضوعية وذلك بملاحظتها ووصفها كموضوع خارجي معزول عن ذات الباحث، بحيث تكون الأحكام نابعة من الموضوع كما هو في الواقع الذي ينبغي على العالـم الإنصات إلى الظاهرة وتسجيل ما تمليه عليه كما رأينا سابقا مع برنار بعيدا عن تدخل الأفكار المسبقة والاعتقادات الدينية والفلسفية والإيديولوجية وغيرها. وذلك من أجل تقديم تفسير دقيق للظاهرة بالوقوف عن الأسباب المتحكمة فيها.

   حضر هذا المطلب بقوة لدى المؤسسيين للعلوم الإنسانية. فقد سمى كونت علم الاجتماع بالفيزياء الاجتماعية اقتداء بالفيزياء من أجل دراسة وضعية موضوعية للظواهر الاجتماعية والخروج بها من دائرة التأمل الفلسفي والمعرفة العامية العفوية، حيث تطغى أحكام الذات، إلى المعرفة العلمية حيث الموضوعية. وهو ما سعى إليه أيضا دوركايم الذي وضع أسس علم الاجتماع في كتابه "قواعد المنهج السوسيولوجي". إذ دعا إلى دراسة الظواهر الاجتماعية كأشياء مستقلة عن ذات الباحث ويمكن ملاحظتها من الخارج. ويلح على ضرورة التخلي عن الأحكام المسبقة عند الملاحظة وأن يكتفي بتحديد الخواص الخارجية المستقلة للموضوع بتخليصه من مظاهره الفردية الذاتية مادامت الظاهرة تتميز بالإكراه الخارجي المفروض على الأفراد.

لكن هل يمكن فعلا فصل الذات عن الموضوع في العلوم الإنسانية ؟

    يعتبر بياجي أن هذا المطلب صعب التحقق. فمادامت العلوم الإنسانية حديثة النشأة فإنها تحقيق موضعة الظاهرة لا يرقى إلى المطلوب. أضف إلى ذلك طبيعة الموضوع المتمثل في الذات. فذات الملاحظ أو المجرب تتأثر بالظاهرة وتؤثر فيها، كما أنها تتغير وتغير الظاهرة، بسبب التداخل الموجود بين الذات والموضوع. وهو ما يحول دون الموضعة. وأهم  عائق حسب بياجي يتمثل في تمركز ذات الباحث الذي ينظر إلى الموضوع من خلال اعتقاداته وتصوراته الخاصة. وبما أن الباحث جزء من الموضوع ومنخرط فيه، فهو يعتقد أن تقنيات وطرائق البحث الموضوعي ليست ضرورية، فيكتفي بمعرفته الحدسية العفوية المسبقة بالظاهرة. كما أن الظاهرة الإنسانية واعية ومتغيرة باستمرار ومنتجة للدلالات والرموز التي لا يمكن فهمها بشكل مباشر..كل ذلك يعقد مهمة الباحث في محاولته بناء موضوعه بناء موضوعيا عندما يتعلق الأمر بالظاهرة الإنسانية.

    تقتضي العلمية والموضوعية إلغاء الذات وفصلها عن موضوعها، لكن في العلوم الإنسانية لابد من تدخل الذات. وهنا تكمن المفارقة التي أشار إليها باستيان . وفي عرضه لهذه المفارقة يستشهد بنوربرت إلياس الذي يرى أن فصل الذات عن الموضوع إذا كان ممكنا في علوم الذرة التي يمكن تفسيرها ودراستها من الخارج، فإنه ليس ممكنا في علوم الإنسان التي تتطلب انخراط الذات الدارسة ونفاذها داخل التجربة الجماعية والفردية من أجل فهمها. وهنا لا يمكنه الاكتفاء بالملاحظة من الخارج كما دعا إلى ذلك أصحاب الاتجاه الوضعي.

    بناء على ما سبق يتبين أن الجهد العلمي في العلوم الإنسانية يتوجه بالأساس إلى محاولة موضعة الظاهرة بإقامة حد فاصل بينها وبين الذات، إلا أن هذا الفصل لا يمكن أن يتم بشكل مطلق، وإنما ينبغي الحرص على التحكم فيه وتجنب أحكام القيمة الذاتية لإضفاء نوع من الموضوعية التي تتوافق مع طبيعة الظاهرة الإنسانية التي هي الذات والموضوع في نفس الوقت ما يطرح إشكالا منهجيا آخر يتعلق بالمنهج المناسب لهذه الظاهرة فهل هو منهج التفسير الاستقرائي أم منهج الفهم التعاطفي؟

التعليقات
0 التعليقات