الدلالة الفلسفية

النظرية والتجربة: في التمييز بين أنواع التجارب

   
     تمثل التجربة عنصرا من عناصر الحياة اليومية إذ يعيش الإنسان كل يوم  تجارب متنوعة في علاقته بالأشياء وبالعالم المحيط به عموما، كما تمثل التجربة من جهة أخرى احد آليات المنهج العلمي وتختص فيه بوظيفة مزدوجة، إثباتية من ناحية أولى، يتم بموجبها إقرار تفسير ما واعتماده في صياغة النظرية، واستكشافية وإنشائية من ناحية ثانية، ينبثق عنها فكرة جديدة. وتتنوع التجارب بتنوع مجالات المعرفة العلمية واختلاف النماذج يمكن التمييز بين:
التجربة الحسية: تقوم على ما تقدمه المعطيات الحسية المباشرة ويكون الحكم من خلالها على الظواهر عاما وغير دقيق لعدم استنادها إلى أدوات قياس ومعدات تقنية في التحقق من الحكم والتثبت من النتائج. وهذا المجال هو خارج عن المجال العلمي.

التجربة المخبرية: تعني الاختبار وتمكن من فهم العلاقات الضرورية بين العوامل المؤلفة لظاهرة مدروسة والمتغيرات التي تطرأ عليها. فهي بمثابة الإجراء التطبيقي الذي يقوم على دوافع نظرية تبرر القيام بها من ذلك مثلا أن دراسة ظاهرة ما ينبني على أساس فرضية موجهة وأيضا الإحاطة بالظروف الخاصة بالظاهرة يحتكم إلى التفسير المقترح لها. وبهذا تعد التجربة إجراء إجراء يضمن المراقبة الدقيقة للظواهر مصحوبا بتفسير نظري يتوقف إقراره على تأكيد التجربة لصلاحيته العلمية، وهو ما يعني أن التجربة تتحدد بقابلية التعبير عن نتائجها بواسطة مفاهيم مجردة ورموز رياضية قادرة على أن تمثل الواقع وصياغة النظرية.

التجربة العقلية: هي تجريد ذهني تعتمد معطيات نظرية وفرضيات يتخيل الباحث في صورتها تجربته دون استعمال أجهزة وقياسات واقعية، بل يعول على أدوات عقلية وعلى تجنب كل تجنب كل تناقض. ثمة تحرر من الأجهزة وأدوات القياس الواقعية، وانشداد في المقابل إلى الفرضيات، حيث تتشكل ما يمكن تسميته حسب ماكس بلانك " العين العقلية" ، أي القدرة على النفاذ إلى المعرفة النظرية وإبداع وضعية  تنسجم فيها الفرضيات والنظريات من أجل الكشف عن قوانين جديدة وحقائق نظرية، فبواسطة العقل استطاع الباحث الفيزيائي مثلا أن يتابع حركة الالكترونات ويرصد حالاتها سواء من ناحية سرعتها أو موقعها عبر تمثل الإلكترون كبنية رياضية مجردة تستعصي ملاحظته ويتعذر وصفه ماديا.


التجربة الافتراضية: تقوم على أساس معالجة رقمية من أجل إيجاد حلول للمعادلات التي تبنيها النماذج. وتتمثل في إنجاز أقيسة بمقتضى نموذج رياضي مخزون في ذاكرة النسق الإعلامي. ومن أهم مزاياها تبسيط صلاحية النماذج وتيسير التواصل بين مختلف القطاعات العلمية. يمثل هذا النوع من التجربة أداة اكتشاف لأنه يتسنى للباحث انطلاقا من الصور المعروضة استخراج صور أخرى غير متوقعة مسبقا وتشكل بالنتيجة، مسالك جديدة للبحث العلمي. إضافة إلى ذلك، تمكن من التجربة الافتراضية من ملاحظة مواضيع وظواهر ليست في متناولنا ولا يمكن الانتباه في الوضع الاعتيادي وضمان التحكم فيها واستثمارها.

التعليقات
0 التعليقات