الدلالة الفلسفية

الواجب والمجتمع

المحور الثاني: الواجب والمجتمع
     يبدو من خلال المحورين السابقين أن الواجب يرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالمجتمع فهو يعبر عن مطالبه وعن مصالح الجماعة التي ينتمي إليها الفرد لكن السؤال المطروح هل ينحصر واجب الفرد نحو مجتمعه أم يتجاوزه إلى الإنسانية والكونية؟.

    بالعودة إلى المواقف السابقة نجد كانط  kant يؤكد أن الواجب يستمد سلطته من داخل الفرد باعتباره استجابة داخلية، حيث تمتثل الإرادة لنداء العقل الأخلاقي. كما يبين روسو أن الضمير الأخلاقي فطري يجسد الجانب الطيب والخير في الإنسان...
    لكن في المقابل نجد الموقف الأساسي الذي يمثله دوركايم  Durkheim  يرفض ذلك ويؤكد أن الواجب لا ينفصل عن المجتمع الذي يقوم بترسيخ نماذجه وقيمه الثقافية عن طريق التنشئة الاجتماعية التي تشكل ضمير الفرد. لهذا يقول " فضميرنا الأخلاقي لم ينتج إلا عن المجتمع، ولا يعبر إلا عنه. وإذا تكلم ضميرنا، فإنما يردد صوت المجتمع فينا ". فهو بهذا المعنى ليس فطريا ولا طبيعيا وإنما انعكاس للضمير الجمعي الذي يمارس سلطة كبيرة على أفراده.
     يرتبط الواجب بالمجتمع إلا أن برغسون Bergson يتساءل عن طبيعة هذا المجتمع هل هو الذي نعيش في حدوده الضيقة أم هو المجتمع الواسع المنفتح على الإنسانية. يجيب برغسون على هذا السؤال مؤكدا على وجود واجب كوني لا يرتبط بالمجتمع وإنما يرتبط بالإنسان من حيث هو إنسان. وذلك بغض النظر عن ثقافته أو جنسه أو دينه أو غير ذلك وبهذا يتم تأسيس لقيم إنسانية تعلو على المصالح الضيقة للجماعة وتؤدي إلى سيادة قيم وواجبات الحب والتسامح والتضامن...هذا التضامن ينظر إليه راولس Rawls كواجب يتجاوز حدود الحاضر لينفتح على المستقبل داعيا إلى الأخذ بعين الاعتبار في وضع الواجبات حقوق الأجيال القادمة كالحفاظ على بيئة سليمة وعلى الخيرات الطبيعية.


    تأسيسا على ما سبق يمكن القول بأن الواجب يتخذ طابعا فطريا وإراديا على اعتبار أن السلوك الأخلاقي أو الحس الأخلاقي يولد مع الإنسان لكن في الواقع يرتبط الواجب بقوة بالمجتمع فداخله تحددت الواجبات وتشكل الوعي الأخلاقي للفرد كانعكاس لوعي المجتمع ولمطالبه ومصالحه غير أن انغلاق الواجب على المجتمع الصغير يفقده طابعه المطلق الذي يجعله منفتحا على المستقبل كواجب كوني تجاه الإنسان سواء في الحاضر أو المستقبل بتنمية قيم التضامن والتعاون والتضحية والسعي لتحقيق سعادة الإنسان فإلى أي حد يؤدي القيام بالواجب إلى السعادة؟

التعليقات
0 التعليقات