الدلالة الفلسفية

العنف المحور الأول طبيعة العنف وأشكاله



يشير العنف عموما إلى الإفراط في استعمال  القوة بهدف الاخضاع أو الحاق الضرر والاذى بالآخر، وهو بذلك يتعارض مع القانون والعقل والكرامة. وقد راهنت الجماعة السياسية على تخليص الانسان من العنف، لكن الملاحظ أنه لا يزال يهيمن على العلاقات يين الافراد والجماعات والدول. فهل معنى ذلك أن العنف طبيعي و فطري لا يمكن استئصاله؟ ألا تساهم الانماط الثقافية للمجتمع في توجيه العنف وتنظيمه؟ وماهي أشكال وتمظهرات العنف ؟ وهل ينحصر في العدوان بين الافراد أم يتجاوزه إلى مظاهر أخرى مادية ورمزية؟

من بين كل عوامل العنف تحتل العدوانية مكانا مميزا لانها دائمة الحضور والتجلي، إذ نجدها في صلب الصراعات...انها تنطلق ساعة ينفك العنف من أغلاله وتبلغ الاوج في اشباع الميول التي تدمر الناس والممتلكات. وقد حاول لورنتز تفسير هذه العدوانية بالمقارنة مع الحيوان فلاحظ أن الصراع عند هذا الأخير ينتهي ويتوقف في حدود معينة لاتصل إلى القتل، مبينا وجود آليات كبح بيولوجية داخل الجهاز العصبي، وظيفتها حفظ النوع. في المقابل يفتقد الإنسان هذه الآليات ما يجعله يصل في صراعه مع أخيه الإنسان إلى القتل والإبادة. وهذا ما أكده العالم هنري لا بوريت عندما قال إن الإنسان هو النوع الوحيد من بين الثدييات الذي يقتل ضمن جنسه. لذلك راهن الفلاسفة على آليات كبح عقلية وأخلاقية لكن تبين عدم جدواها. ما جعل لورنتز يدعو إلى الاستعانة بآليات كبح تنتمي إلى الغريزة.

لا تقف العدوانية عند المستوى الفردي بل تتجاوزه إلى المستوى الجماعي وتشكل الحرب ذروة العدوانية الجماعية، لتصبح ظاهرة اجتماعية تؤسس لثقافة العنف. ويحدد كلوزفتش الحرب بأنها اقتتال فردي توسع ليشكل عددا غير محدود من المعارك غايته إخضاع الخصم، ووسيلته القوة الجسدية. هذه القوة تطورت بفعل تدخل الصنائع والعلوم التي أدت إلى استعمال التقنيات والأسلحة. ويرى أن درجة العنف تختلف باختلاف الشعوب والثقافات، فكلما كانت الشعوب متوحشة كلما كانت أكثر دموية وتدميرا، عكس الشعوب المتقدمة التي تراعي في حروبها المواثيق والمعاهدات الدولية التي تخفف من حدة الحرب لكنها لا تفقدها جوهرها كشكل من أشكال العنف المادي الذي تلجأ إليه الدول لحل المشاكل بينها. يترتب على ذلك أن العنف قد يشكل ضرورة اجتماعية لا غنى عنها إذ تقوم السلطة على توجيه العدوانية الجماعية والعنف المنظم لقضاء مصالح معينة.


وبناء عليه فمن بين كل عوامل العنف تحتل العدوانية مكانا مميزا لأنها دائمة الحضور إذ نجدها في صلب الصراعات وهي لم تزل بعد استعدادا سيكولوجيا كامنا...فهي تنطلق ساعة ينفك العنف من أغلاله وتبلغ الأوج في إشباع الميول التي تدمر الناس والممتلكات. إضافة إلى ذلك فالعدوانية الجماعية حصيلة مجموعة من العوامل البيو- سوسيولوجية، اي انها نتاج تفاعل الفطري والمكتسب. فهي غريزة بيولوجية تتحكم فيها الدولة والسلطة السياسية وتوجهها وتكبحها أو تسمح لها بالانفلات والهياج حسب الحاجة إليها.
لكن ألا يمكن الحديث عن عنف رمزي خفي وراء العنف المادي الجلي؟


لا يتجلى العنف في مظاهره البادية للعيان فقط، فهناك عنف رمزي أيضا يعبر عن نفسه من خلال رموز لها دلالة بإبراز دلائل الهيبة والنفوذ والسلطة (سيارة، مساكن، مكاتب، ملابس، حلي..)التي ترهب الآخرين وعبارات الاذلال والاهانة.
إن العنف الرمزي يتميز بأنه لطيف وغير محسوس ومقنّع...  ولأنه كذلك فهو يحقق نتائج أكثر من العنف المادي وهو يمارس على الفاعلين الاجتماعيين بموافقتهم وتواطئهم حسب بورديو بحيث لا يعترفون به كعنف إذ يتم استدماجه كمسلمات من خلال وسائل التربية والتنشئة الاجتماعية وأشكال التواصل داخل المجتمع . وتعتمد السلطة هذا الشكل من العنف في بسط سيطرتها وهيمنتها باستخدام المدرسة ووسائل الإعلام (التلفزة-الاشهار) والتي تسهل عليها تحقيق أهدافها بأقل تكلفة وبفعالية وبدون اللجوء إلى العنف المادي.

نستنتج مما سبق أن العنف ظاهرة ملازمة للوجود الإنساني، وقدر لا يستطيع الإنسان التخلص منه، لأنه ينتمي إلى مجال الغريزة التي يمكن التخفيف من حدتها دون القضاء عليها. ومن هنا تنبع ضرورة المؤسسات السياسية التي تحد من العنف بل إنها توجهه ليخدم أهداف الدولة. وهو ما يجعل العنف فطريا ومكتسبا في نفس الوقت. كما أنه يتخذ أشكالا مختلفة لعل أبرزها العدوانية بمختلف تجلياتها وعلى رأسها الحرب، دون أن يعني ذلك أنه ينحصر فيما هو مادي، بل إن العنف الرمزي قد يكون أشد تأثيرا وإخضاعا للأفراد من العنف المادي. والسؤال المطروح أي دور للعنف في صناعة التاريخ؟

التعليقات
0 التعليقات