الدلالة الفلسفية

دور العنف في التاريخ

   
     قد ننظر إلى العنف بجميع أشكاله نظرة ازدراء، لأنه إخضاع للآخر رغما عن إرادته، وإلحاق الضرر باستعمال القوة، ولأنه تعبير عن الغريزة الحيوانية التي تتعارض مع العقل ومع الكرامة الإنسانية. لكن بإلقاء نظرة على التاريخ قد نغير هذا الحكم السلبي على العنف. فالأحداث التاريخية الكبرى، والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية ناتجة بشكل مباشر، أو غير مباشر، عن العنف وحضوره في شكل حروب أو ثورات اجتماعية وغيرها...

     يبدو العنف كظاهرة تاريخية لعبت دورا في صنع التاريخ البشري (درس التاريخ)، بل إنه المحرك له. كما يظهر أيضا كضرورة سياسية لا غنى للدولة عنها (درس الدولة). وإذا قبلنا أن الإنسان هو المسؤول عن صناعة التاريخ، فهو المسؤول عن العنف الذي يشهده التاريخ. وهذا العنف كما أنه عامل تأسيس وبناء فإنه أيضا عامل هدم وتدمير، لذلك نتساءل:
ما وظيفة العنف؟ ألم يقم بدور إيجابي في نشأة المؤسسات السياسية؟ وبالتالي هل يمكن تمجيد العنف أم أنه دائما محط ازدراء؟

    إن للعنف وظيفة ايجابية بالنسبة للإنسان، فما يميز هذا الأخير عن الحيوان، من قبيل المؤسسات والأخلاق والقوانين والنظام… كل ذلك لم يظهر إلا بعد الحروب والثورات. يقول ميشيل فوكو: « بكل تأكيد، عملت الحرب على ميلاد الدول: فالحق والسلم والقوانين ولدت في دماء وأوحال المعارك... فالقانون يولد من المعارك الحقيقية والانتصارات والمجازر والغزوات التي لها تواريخها وأبطالها المرعبون، القانون يولد من المدن  المحروقة  ومن الأراضي المدمرة، يولد القانون مع الأبرياء الذين يحتضرون في طلوع النهار »
وهذا ما يذهب إليه هوبز متصورا الإنسانية وقد مرت بحالة الطبيعة قبل الانتقال إلى حالة الاجتماع. ولما كان العدوان غالبا على طبيعة الإنسان، لدرجة تجعل منه ذئبا لأخيه الإنسان، فإن حالة الطبيعة المذكورة، وفي غياب سلطة عليا، تتحول إلى حالة حرب الكل ضد الكل، أي حالة من العنف الذي يجعل حياة الإنسان حيوانية بئيسة، لا ينعم فيها أحد بالأمن مهما بلغت قوته.
في مثل هذه الأحوال ولد الاجتماع و وظهرت الحاجة إلى الدولة المستبدة القاهرة كخيار لإيقاف الحرب ولضمان الحياة واستمرارية المجتمع. فيكون العنف بذلك مؤسسا للتاريخ، إذا افترضنا أن هذا الأخير لا يبدأ إلا مع الاجتماع ومؤسسات الدولة.

يؤكد فرويد هو الآخر أن العنف نزوع طبيعي في الإنسان يتمثل في العدوان الذي يفصح عن نفسه حين تغيب المؤسسات الاجتماعية. ويبين أن هذه الأخيرة نشأت نتيجة اتحاد الضعفاء، الذين شكلوا قوة لا يمكن قهرها، وهي التي قضت على العنف بين الأفراد، وأسست للحق والقانون. يترتب على ذلك أن الحق نتاج لقوة الجماعة التي كسرت عنف الفرد الواحد. إذن فللعنف دور إيجابي، وهو  بهذا المعنى لا يتناقض مع الحق، بل إن أحدهما يكمل الآخر، وينشأ عنه.

    في المقابل لا يرى ماركس في العنف والصراع سوى إفراز تاريخي نتج عن تعارض المصالح. وهذا الصراع لا يمكن إلغاؤه إلا  بإلغاء أسبابه ودواعيه: الطبقية والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. أي أن الصراع ينتهي بميلاد المجتمع الشيوعي والعودة إلى المشاعية البدائية، حيث كل شيء شائع ومشترك بين الجميع.
وحسب إنجلز فإن العنف الاقتصادي هو المحرك لعجلة التاريخ، والمسؤول عن تطور المجتمع، والعامل الحاسم في الانتقال من نمط إنتاجي لآخر. وهذا ما دفع بالماركسيين إلى تمجيد العنف وشرعنة ما يسمى «العنف الثوري»، الذي يستهدف تقويض النظام، وبث الفوضى، وتخريب بنيته التحتية ومنشآته، للتعجيل بزواله.

    يتبين إذن أن للعنف دور في التاريخ، فهو المحرك له، والمولد للمؤسسات السياسية والمثبت لها، نظرا للطبيعة العدوانية للإنسان، ونظرا لتعارض المصالح وتناقضها. فعنف الفرد لا يوقفه إلا عنف الجماعة التي تؤسس للحق كقوة ضد العنف. هذا الأخير يتخذ شكل صراع بين طبقات المجتمع المتناقضة. ويترتب على العنف تقويض نظام سياسي واقتصادي  وإحلال آخر مكانه. وهو ما جعل البعض يمجد العنف ويمدحه ويشرعنه باعتباره وسيلة لإقامة الحق وللتغيير والتطور. فهل يوجد عنف مشروع وآخر غير مشروع؟


التعليقات
0 التعليقات