الدلالة الفلسفية

مفهوم الشخص: تأطير إشكالي

مفهوم الشخص


تأطير إشكالي (محاولة أولى)

    يوجد الإنسان في العالم بمقومات خاصة وخصائص مميزة  تجعل منه شخصا يمتلك حقوقا كما يمتلك قيمة صادرة من كونه ذاتا أخلاقية واعية وحرة ومسؤولة عن أفعالها. وهو ما يجعل مفهوم الشخص يتحدد كذات عاقلة وحرة ومسؤولة تمتلك قيمة في ذاتها... لكن الشخص يوجد قبل كل ذلك كجسد يطرأ عليه التغير، ويخضع للنمو والتحول المستمر. كما يوجد كفرد داخل نسق وكوضع محدد سلفا يضيق أو يتسع ليحد من حريته، لكنه داخل هذه التغيرات وهذه الحدود وبموازاتها يعبر عن إحساس داخلي بالوحدة والثبات معبرا عن ذلك بالضمير"أنا"، حيث يرد تلك التغيرات أو الحالات الداخلية أو الخارجية إلى ذات واحدة، وكأن الشخص يمتلك هوية ثابتة لا تتغير، بل تستمر عبر الزمان والمكان وهي التي تعمل على جمع شتات الشخص هو "الأنا" كوعي بالذات وإحساس بالحرية وسعي إلى الاختيار وبناء المشروع الشخصي. وأخيرا كوعي بهذا الوضع الذي تعيشه الأنا.
ينتقل الشخص من مستوى الكائن العضوي الطبيعي الذي لا يتجاوز مستوى الإحساس، كغيره من الكائنات، إلى مستوى الذات العاقلة الواعية،  وذلك حين  يستعمل الضمير أنا، وعندما يعي ذاته كوحدة وكتطابق بينه وبين ذاته. وهو بذلك يمتلك هوية تخصه وقيمة تسمو به عن الحيوان، حين يعلن عن ذلك وحين يفرض الاحترام والتقدير ويدافع عن كرامته ويثبت ذاته ويتحمل مسؤولية أفعاله المرتبطة بالواجب الأخلاقي... ويقوم بدور أو أدوار داخل المجتمع، وهي أدوار قد تضع وحدة الشخص على المحك، إذ يفرض عليه أن يغير أدوراه وأن يتطابق معها ومع قناعه masque  لا مع ذاته soi . وبالتالي التنازل عن الشخص/الذات/الأنا  للعب أو تمثيل دور يحدده المجتمع الذي قد يحول الشخص إلى مجرد شيء (رقم) فيختفي الشخص في بنية أو نسق اجتماعي أو ثقافي محدد. ما يؤدي إلى فقدان القيمة وأيضا الحرية (التمييز بين الشخص والفرد).

إذن فالمفارقة تتمثل في كون الشخص فرد بيولوجي (جسد) واجتماعي (دور) وحينها يختفي الشخص وراء الجسد أو وراء القناع ما يفرض البحث عن  الخفي وراء الظاهر، والثابت وراء المتغير، والواحد وراء المتعدد، والحرية وراء الحتمية والضرورة، والقيمة والكرامة وراء التشييء والابتذال. وهذه المفارقة تجعلنا نعيد التفكير في مفهوم الشخص والإشكالات التي يطرحها: فما الشخص؟ وما هو الثابت وراء المتغير فيه؟ ما أساس هويته؟ هل تتمثل في الجسد أم في الوعي والفكر أم في محددات أخرى؟ وهل وجوده مع الغير في إطار نسق ثقافي واجتماعي وأخلاقي يفقده حريته ويسلبه قيمته وكرامته، أم أن ذلك هو شرط تحرره وفرض احترامه وتقديره في إطار وجود مشترك منفتح على الغير؟ وبالتالي هل يستمد الشخص قيمته من ذاته كشخص مستقل له قيمه الخاصة التي تعارض الآخرين أم يستمدها من خلال الانفتاح والمشاركة والتكامل؟

*ما يمكن الاحتفاظ به:
يتحدد الشخص فلسفيا كذات واعية وحرة ومسؤولة تنسب أفعالها إلى أنا يمتلك هوية ثابتة واحدة... لكن وجود الشخص هو في البدء وجود فرد بيولوجي واجتماعي وثقافي... دائم التغير والتطور والنمو يخضع لضرورات بيولوجية وإكراهات الوجود المشترك. ما يضعنا أمام مفارقة: الثابت =/=المتغير، الوحدة=/= التعدد، التشييء=/= الكرامة ، الحرية=/= الضرورة...لذلك نتساءل:
ما الشخص؟ وما أساس هويته؟ هل يمتلك هوية ثابتة أم أنها متغيرة؟
هل الشخص خاضع للضرورة التي يفرضها وضعه البشري أم قادر على التحرر منه باعتباره ذاتا حرة قادرة على الفعل وعلى التجاوز؟
وهل للشخص قيمة كقيمة الأشياء أم أن قيمته أسمى (وتتحول إلى حق في الحرية والمساواة والاحترام)؟ ومن أين يستمدها؟ هل من ذاته أم من ارتباطه بالغير؟

التعليقات
0 التعليقات