1. الإطار المرجعي وتوزيع نقط مطلب المناقشة
تقتضي خطوة المناقشة المنهجية في الإنشاء الفلسفي إخضاع الأطروحة المفترضة لمساءلة نقدية صارمة، وذلك من خلال فحص منطلقاتها الفكرية ونتائجها الواقعية، ثم الانفتاح على إمكانات وتصورات أخرى تفتح أفق التفكير في الإشكال المعروض. ووفقاً للتوجيهات التربوية الرسمية، تتوزع النقط (5 ن) على النحو التالي:
2. الأطروحة المفترضة: الوجودية وإعلاء قيمة الحرية
لحظة انطلاق المناقشة تستدعي إبراز المرجعية الفلسفية التأسيسية للمواقف المدافعة عن استقلال الذات؛ لقد كان مراد الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر هو الإعلاء من قيمة الشخص، وذلك بالتركيز على جانب الحرية كمحدد جوهري للشخص ومميز كلي له عن الأشياء المادية الجامدة.
وهو في ذلك التوجه يمثل صلب الفلسفة الوجودية التي أرادت إعادة الاعتبار الكوني للشخص، والسمو به إلى مستوى الكائن الحر المريد، القادر على صناعة أفعاله وعلى التحكم المطلق في مصيره الوجودي، بالرغم مما يتعرض له من إكراهات واقعية وضغوطات ظرفية.
3. حدود الأطروحة: وهم الحرية عند سبينوزا وحتميات العلوم الإنسانية
غير أن القول بالحرية المطلقة قد تعرض لانتقادات فلسفية وعلمية بالغة الأهمية كشفت حدود هذه الأطروحة. ويبرز هنا تاريخياً انتقاد الفيلسوف باروخ سبينوزا الذي نفى وجود حرية إنسانية فعلية، مبيناً أن الشعور الإنساني بالحرية ليس في حقيقته إلا وهماً ناتجاً عن جهل الشخص بالأسباب الحقيقية والدوافع الخفية التي تدفعه للقيام بفعل ما.
هذا التهافت الفلسفي لوهم الحرية انكشف بأبعاد أكثر دقة وعلمية مع بزوغ العلوم الإنسانية في القرن التاسع عشر، والتي يمكن إجمالها وتحديدها في ثلاثة حقول أساسية:
🧬 المحدد البيولوجي: إن الشخص قبل كل شيء كائن بيولوجي، يخضع بشكل مطلق للضرورة الطبيعية والبيولوجية كما تخضع لها باقي الكائنات الحية الأخرى، وذلك بغرض حفظ بقائه واستمراره الحيوي عبر إشباع حاجاته العضوية واندفاعاته الغريزية.
🧠 الحتمية النفسية (سيغموند فرويد): يرى مؤسس مدرسة التحليل النفسي أن الشخص خاضع بشكل بنيوي لحتمية نفسية لا شعورية. فالجهاز النفسي محكوم بـ اللاشعور الذي يعبر عن اندفاعات جنسية وعدوانية، وعن رغبات مكبوتة تعود جذورها الديناميكية إلى فترة الطفولة الأولى (السنوات الخمس الأولى)، وهي التي تتولى مهمة تحديد معالم الشخصية وتشكيلها في هذا الاتجاه أو ذاك، في غفلة تامة من وعي الشخص وإرادته الظاهرة.
⚖️ الحتمية السوسيوثقافية (إيميل دوركايم): ينحو التصور السوسيولوجي نفس المنحى الرافض للمقولات الميتافيزيقية حول حرية الإرادة. فعالم الاجتماع الشهير يرى أن الشخص خاضع بصفة مطلقة لحتمية اجتماعية ناتجة عن كونه مجرد فرد داخل بناية جماعية، مما يجعله مكرهاً وتابعا في تصرفاته وأفكاره للقوانين والقواعد والنماذج الثقافية المسبقة التي ترتضيها تلك الجماعة. ويؤكد دوركايم أن ضمير الفرد ما هو في الحقيقة إلا انعكاس وتذويت لضمير المجتمع أو ما يصطلح عليه بـ "الضمير الجمعي".
4. آفاق التفكير: التحرر المشروط في الفلسفة الشخصانية
أمام هذا التعارض الإشكالي الحاد بين القول بالحرية المطلقة والقول بالضرورة الحتمية، يطرح سؤال قنطرة الوصل والمساءلة النقدية: لكن، هل يمكن اعتماد هذه المبررات والحتميات العلمية لإلغاء حرية الشخص بشكل مطلق؟ ومصادرة فاعليته الأخلاقية؟
يجيب إيمانويل مونيي —مؤسس الفلسفة الشخصانية— عن هذا الإشكال بطريقة تجاوزية، مبيناً أن الشخص يوجد فعلياً داخل وضع وجودي محدد سلفاً، ومحكوم بقوانين الطبيعة والمجتمع. يترتب على ذلك أن حريته هي بالضرورة حرية مشروطة ومحدودة بحدود هذا الوضع، لكن هذا التحديد لا يلغي الفاعلية الإنسانية، وإنما يعمل على شحذها، تقويتها، وتوجيهها الواعي.
إن الحرية عند مونيي تصبح عملية تحرر مستمر، ما دام الشخص يعي شروط وضعه ويدرك تماماً أنه قادر على تجاوز حريته العفوية عديمة الجدوى ليدخل في تجربة "الشخصنة". ويتأتى ذلك بالانتقال الواعي من مجرد الكائن الفردي المادي العفوي إلى مرتبة الشخص الأخلاقي المالك لقيمته وكرامته الاستثنائية. وهي عملية إنضاج ديناميكي مستمر للذات ولحريتها في إطار الوجودين الفردي والجماعي التضامني.
بعد استعراض هذه المقاربات الفلسفية الممتدة بين أطروحة الحرية المطلقة (سارتر)، الحتميات الطبيعية والنفسية والاجتماعية (سبينوزا والعلوم الإنسانية)، والتصور التجاوزي التحرري المشروط (مونيي)، نصل إلى محطة تجميع خيوط الإشكال وصياغة الخلاصة المنهجية الأخيرة.