مجزوءة السياسة - لعدالة بين المساواة والانصاف

المجزوءة: السياسة

المحور الثالث: العدالة بين المساواة والإنصاف

تأطير إشكالي

العدالة أساس الحق وهي تجسيد له، فهي ترتبط على ما يبدو بالمساواة كأساس لوضع الحقوق التي ينبغي أن يتمتع بها جميع الأفراد بدون تمييز، وهو ما يفترض أن هؤلاء الأفراد متساوون نظرياً، لكن الواقع يكشف أن الناس مختلفون ومتمايزون...

فهناك الرجال والنساء، الأغنياء والفقراء، الكبار والصغار، ذوو الحاجات الخاصة... كما أن القانون كتشريع بشري يلحقه النقص، ما قد يؤدي تطبيقه بنصه الحرفي بالتساوي على الجميع إلى أن يتحول إلى آلة ميكانيكية صارمة وقاسية ظالمة...

هذه التقابلات تفرض علينا مرة أخرى البحث في إشكال أسس ومبادئ العدالة وعلاقتها بالمساواة ومدى إمكانية إنصافها للجميع. لهذا تبدو الأسئلة حول هذا الإشكال ملحة ومبررة:

الأسئلة الناظمة للمحور:
ما أساس العدالة؟ هل تقوم على المساواة أم الإنصاف؟ ألا تخفي الدعوة إلى المساواة تجاهلاً للاختلاف بين الناس؟ أليست مواهب الناس وكذا احتياجاتهم مختلفة؟ ألا يقتضي الإنصاف مراعاة تلك الاختلافات والتمايزات؟

تصور ألان Alain: العدالة تقوم على أساس ومبدأ المساواة

لا أحد ينكر أن جوهر الحق هو المساواة وأن العدالة تقتضي التعامل مع الناس بدون تمييز. وهذا ما جعل الفيلسوف ألان Alain يربط بين المفهومين ربطاً وثيقاً حين يقول بأن الحق هو المساواة، بل إن الحق تم ابتكاره ضد اللامساواة. كما أن القوانين العادلة هي التي يكون الناس أمامها سواسية، أما أولئك الذين يقولون إن اللامساواة من طبيعة الأشياء، فهم يقولون قولاً بئيساً.. فجوهر العدالة يكمن في هذا التماثل والتناسب الرياضي البسيط.

وعندما يفتقد عقد ما المساواة فإن صلاحيته تصبح موضع شك، لأن الاتفاق بين طرفين غير متعادلين لا يكفي ليكون العقد صالحاً وعادلاً، بسبب غياب التكافؤ، فأحد الطرفين قد يكون جاهلاً أو مغفلاً أو صغيراً... فيصبح البعض ضحايا تعاقدات وقوانين غير عادلة...

لا يسود الحق إذن ولا تتحقق العدالة إلا حين يتساوى الجميع في الحقوق وأمام القانون بدون تمييز عرقي أو ديني أو جنسي... لكن هذا التبسيط لمفهوم العدالة وربطها بالمساواة المطلقة قد يخلف ضحايا للقانون الذي لا يراعي الحالات الخاصة، ومن ثم نسأل: ألا تؤدي المساواة المطلقة إلى نوع من الظلم؟

أرسطو: الإنصاف أسمى من المساواة

لا تتحقق العدالة بالمساواة دائماً، فأحياناً يمكن اللجوء إلى اللامساواة لتحقيق الإنصاف لأسباب عدة. لذلك نجد أرسطو يطابق بين العدل كمساواة وبين الإنصاف، لكنه يقر بأفضلية الإنصاف؛ لأن القانون يؤسس عدالته على المساواة بشكل عام، إلا أن هذه العمومية لن تكون منصفة للجميع حين تساوي بين الكل في شتى الظروف.

هذا إضافة إلى أن العدالة كمساواة تطبيق حرفي للنصوص القانونية التي تتميز بالعمومية، ويمكن أن يلحقها الخطأ جراء التطبيق فتتسبب في ضرر الناس، في حين يكون الإنصاف عملاً بروح القانون ومقاصده، وهو تحقيق العدالة والخير للجميع بمراعاة الحالات الخاصة، لذلك يتم اللجوء إلى تصحيح القانون بشكل مستمر. إذن فالإنصاف أسمى من المساواة لأنه يسعى إلى خير وسعادة الجماعة السياسية.

لكن ما شروط تأسيس العدالة على الإنصاف في المجتمعات المعاصرة؟

راولز Rawls: السياق هو الذي يحدد المبدأ المناسب للعدالة كإنصاف

في المجتمعات المعاصرة يكون التحدي أكبر لتحقيق العدالة، لذلك يؤسس جون راولز (Rawls) تصوراً معاصراً للعدالة كإنصاف، وشرطه وجود نظام سياسي ديمقراطي عادل قائم على التوافق بين المواطنين الأحرار، لضمان العدالة والخير للجميع، مراعياً تطور المجتمع الليبرالي المعاصر.

تقوم نظرية راولز على أساسين متكاملين هما:

⚖️ 1. مبدأ المساواة
المساواة التامة في الحقوق والواجبات الأساسية أمام القانون، وضمان الحريات الأساسية لكل الأفراد.
📈 2. مبدأ اللامساواة المقيدة
القبول باللا مساواة الاجتماعية والاقتصادية (التفاوت في الثروة والسلطة) حسب الكفاءة والمؤهلات بشرط مصلحة الجميع.

واللامساواة لن تكون عادلة ومنصفة إلا إذا استوفت شرطين هما: تكافؤ الفرص من جهة، وضمان أكبر قدر من المنفعة لذوي الاحتياجات الخاصة والفئات المهمشة والمحرومة من جهة أخرى.

تراهن نظرية العدالة كإنصاف على تمكين الجميع من الاستفادة من خيرات المجتمع، وفي نفس الوقت القبول والاقتناع بالتمايزات والاختلافات الموجودة بين الأفراد داخل مجتمع حر تعددي. إذن فالسياق هو الذي يحدد المبدأ الذي ينبغي أن تقوم عليه العدالة بين الأفراد (مساواة، لا مساواة).

✅ الخلاصة والتركيب

إذا كانت المساواة تقتضي التسوية بين الناس وجعلهم سواسية في الحقوق وأمام القانون، فإن الإنصاف يهدف إلى تحقيق توزيع عادل للخيرات على الجميع مراعياً التفاوت والاختلاف بين الناس، واحتياجات كل فئة، وإلا تم ارتكاب الظلم باسم العدالة...

كل ذلك يتم في إطار نظام سياسي شرعي يجدد شرعيته بالبحث في كل الوسائل التي تعلي من قيمة الإنسان وتحفظ كرامته وتحقق الخير والنفع العام للجميع، سواء عن طريق المساواة أو الإنصاف، في أفق بلوغ العدالة كمثال أسمى يسعى إليه الجميع.

▲ العودة إلى أعلى الصفحة