الدلالة الفلسفية

معرفة الغير





يظهر من خلال المحور السابق أن وجود الغير ضروري، رغم أنه يكون مصدر تهديد للانا وفي نفس الوقت مصدر إثبات. وبما انه يشاركني الوجود فهل يمكنني مشاركته معرفته لذاته أي هل معرفة الغير ممكنة أم مستحيلة . وبأي معنى يمكنني معرفة الغير؟

تتحدد المعرفة كعملية إدراك وتكوين فكرة من طرف الذات حول موضوع ما أو شيء ما وعندما يتعلق الأمر بالغير فإننا نكون أمام مشكل معرفة الغير. إذ هل يمكن معرفة الغير كما نعرف مواضيع وأشياء العالم وباقي الموجودات؟ ألا يِؤدي ذلك إلا معرفة سطحية لا تنفذ إلى جوهر الغير؟

يعتبر الفيلسوف الألماني هوسرل أن الأنا يدرك الغير كذات نفسية طبيعية لها جسم مثل جسمي ونفس مثل نفسي. وهذا الإدراك أو المعرفة تجربة إنسانية عن الآخر باعتباره موجودا أمامنا هو ذاته. إلا أن هذه المعرفة ليست مباشرة، لأن الإدراك المباشر يكون للذات وليس للغير، هذا الأخير يتطلب معرفته انطلاقا من تجربة غير مباشرة، يسميها الفيلسوف " التوحد الحدسي". أي أن الأنا يأخذ مكان الغير في العالم ويعيش تجربته بناء على وجود عناصر متشابهة في تجارب الذوات في إطار العالم المشترك كفضاء للعلاقات المتداخلة بينها، والذي يطلق عليه مفهوم "البينذاتية". وهكذا فتصور هوسرل قائم على أن معرفة الغير تتأسس على التوحد معه من خلال كل أشكال التعاطف والتشارك والتضامن. كل ذلك لا يمكن أن يتم إلا عبر التواصل كفعل يخرج من خلاله كل وعي من ذاته وينفتح على الآخر. وبالتالي فالتواصل يقرب  بين الغير والأنا ويخرجهما من التمركز على الذات والنظرة التشييئية لبعضهما البعض.
لكن المعرفة التي تتأسس على التعاطف من خلال التوحد الحدسي تظل مجرد تخمين لا يرقى إلى مستوى اليقين. ذلك أن المماثلة ليست مبررا كافيا للقول بإمكانية معرفة الغير نظرا لوجود اختلافات وحالات تنفي ذلك فالانطلاق من تجارب الذات لفهم الآخر ليس بالضرورة سبيلا لمعرفة الغير, فمثلا ظاهرة الخجل أو غيرها من الظواهر والحالات النفسية يتم التعبير عنها بتعبيرات الجسد كاحمرار الوجه لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن ما أفهمه من احمرار وجه الغير أنه خجول. إضافة إلى ذلك أن اللغة سواء كانت لغة الكلام أو لغة الجسد قد ترسل رسائل خاطئة ومبهمة بل أحيانا معكوسة، ما يجعل التواصل بعيدا. أضف إلى ذلك أن الغير قد يرفض التواصل منذ البداية كتعبير عن موقف شخصي محيطا نفسه بسور من الحماية رافضا أن يتطفل أي أحد على أسراره التي يحتفظ بها لنفسه. لهذا نجد بيرجي يؤكد أن حميمية الذات تحمي الذات ولغتي تعجز عن التعبير، حتى أحاسيسي أعجز عن التعبير عناه كما أعيشها فكيف يمكن للآخر أن يشاركني فيها وهي لم تنكشف له بشفافية. وهو تبعا لذلك مهما حاول التعاطف فلن يصل إلى مستوى التطابق مع أحاسيسي.
إننا لا نستطيع النفاذ إلى نفوس الآخرين حسب مالبرانش. يمكن أن نحكم على ظواهرهم، لكن البواطن لا يمكن النفاذ لها. والاستدلال بالمماثلة، أي إسقاط معرفة الذات على معرفة الغير لا يؤدي إلى معرفة يقينية عندما يتعلق الأمر بالنفس. بالتالي فما يمكنني أن أعرفه هو ذاتي وليس ذات الغير التي تختلف عني. وهو ما يجعل معرفة الغير تخمينية في أحسن الأحوال إن لم نقل مستحيلة.

    إن معرفة الغير تظل إشكالا فلسفيا تتعدد بصدد المواقف وتختلف، لكن يمكن القول إن المعرفة تقتضي التأسيس لعلاقات قائمة على التواصل والتقارب التي تساهم في إلغاء الحواجز بين الذوات والتي تؤدي إلى إعلاء قيم التفاهم والتعاطف أكثر من الرغبة في المعرفة كنوع من الفضول المعرفي المرتبط بمجال العلم كرغبة في التفسير والتنبؤ والسيطرة. وهكذا نتساءل عن أوجه العلاقة الممكنة مع الغير؟ وعلى أي أساس تقوم؟

انظر أيضا :

التعليقات
0 التعليقات