الدلالة الفلسفية

خلاصة محور وجود الغير


            إن الأنا لا يوجد بمفرده في العالم، فهو لا يمثل بداية مطلقة كما عبر عن ذلك غوسدورف، بل إنه مدين بوجوده للغير فهو يرتبط به ويشاركه العالم. لكن يلاحظ أن وجود الغير قد يكون
مصدرا للمشاكل بالنسبة للبعض (مضايقات إصدار أحكام احتقار شتم تثبيط) ، وقد يكون أيضا مصدرا للدعم والتأييد والتحفيز وإثبات الذات... وهو ما يدفعنا إلى التساؤل حول موقف الفلاسفة من وجود الغير فما الذي يمثله وجود الغير بالنسبة للأنا؟ هل هو عامل نفي وإلغاء أم عامل إثبات وإغناء؟ 
      يؤكد الفيلسوف الألماني هايدغر Heidegger أن الوجود مع الغير يشكل نفيا وتهديدا للأنا، بحيث يِؤدي إلى التباعد بينه وبين ذاته ويجد نفسه داخل وجود يسميه هايدغر وجودا مزيفا حيث تنفصل الذات عن ذاتها وتفقد ماهيتها وتقع تحت قبضة الغير الذي يلغي خصوصيتها وتفردها ويرغمها على التخلي عن وجودها الأصيل والحقيقي (الدازاين)، وتصبح جزءا من الوجود مع الغير الذي يعتبر وجودا هلاميا غير متعين يترتب على ذلك تقوية سلطته الخفية الممارسة على الأنا. وأمثلة من الواقع تعكس أن الأنشطة اليومية حيث يذوب الموجود-هنا في الوجود المشترك الذي يتم التعبير عنه بضمير المبني للمجهول أو الحديث عن "الناس" كمفهوم غامض يحيل إلى كل شيء وإلى لاشيء. خاصية الغموض وعدم التعين  يزيد من سلطة الوجود-المشترك وقهره للأنا الذي يفرض عليه أن يكون مشابها للأغيار ويكون نسخة طبق الأصل لهؤلاء "الناس" المجهولين، يعيش عالمهم كما يعيشون حيث ينطمس الوجود الفردي الخاص وينسى وجوده الحقيقي ضمن "الهم".
     وهكذا فإن تداخل الموجود-هنا مع الوجود المشترك يؤدي إلى تهديد الذات في كينونتها وماهيتها وهويتها ويرغمها عن التخلي عن كل ذلك لصالح وجود مزيف يمثله "الناس" "الهم" حيث التشابه والغموض والتيه واللامبالاة.
      في مقابل هذا التصور يعتبر سارتر Sartre الفيلسوف الفرنسي أن وجود الغير ضروري وشرط لوجود الأنا مادام الغير واقعا قائما بذاته في مواجهة الأنا. لتوضيح هذه الفكرة يتوقف سارتر عند تحليل وضعية الأنا في مواجهة نظرة الغير، هذه النظرة تجعل الأنا موضوعا وشيئا يُنظر إليه من قبل أنا آخر كما ينظر إلى موضوعات أخرى، وهو ما يؤدي إلى إفراغه من مقوماته كذات لها وعي وإرادة وحرية، بحيث أن نظرة الغير تقييد للأنا وسلب لحريته وعفويته. ينتج عن ذلك أن عالم الأنا والغير يتحول إلى صراع ومنافسة بين ذاتين كل واحدة تسعى إلى إثبات وجودها عبر تشييء الأخرى وإصدار أحكام القيمة عليها كدلالة على الحرية والتحكم في ذات الآخر. وهو ما يجعل الأنا يحاول تجاوز هذه النظرة المتعالية التشييئية المتعالية من طرف الغير لكي يثبت له انه ليس موضوعا بل ذات حرة مستقلة لها وعيها وإرادتها وإمكاناتها.
   ننتهي مع تصور سارتر إلى أن وجود الغير يمثل عامل نفي وسلب للأنا، لكنه في الوقت نفسه شرط إثبات ذاته بوصفها ذاتا واعية وحرة ومتعالية.

     يبدو من خلال ما سبق أن العلاقة بين الغير والأنا على المستوى الأنطولوجي تتخذ بعدا إشكاليا لا يمكن حله بسهولة لأنه يتخذ بعدين متناقضين ومتعارضين، فهو يتميز بطابعه السلبي، حيث يمثل تهديدا لخصوصية الذات وتفردها وسلبا لحريتها وعفويتها، لكنه إيجابي أيضا لأنه شرط تحقق الذات ووعيها بذاتها وقدرتها على التعالي والتجاوز أمام الوضعيات التي يضعها فيها الغير الذي يتشارك معها الوجود وهو ما يجعل العلاقة بينهما ضرورية وجدلية. والسؤال المطروح إذا كان وجود الغير شرطا لوجود الأنا فإلى أي حد يمكن إقامة علاقة معرفية بينهما؟

انظر أيضا:

التعليقات
0 التعليقات