الدلالة الفلسفية

العلاقة مع الغير


    يبدو من خلال المحورين السابقين أن وجود الغير ضروري سواء كان إيجابيا أو سلبيا وأن معرفته تتراوح بين الإمكان والاستحالة، كل ذلك يتحدد تبعا لطبيعة العلاقة به التي ينبغي أن تتجاوز المستوى الأنطولوجي والمعرفي إلى ما هو قيمي وأخلاقي.
فما طبيعة العلاقة مع الغير ؟ وما هي أوجهها؟ هل تقوم على التكامل أم التنافر؟ وكيف يمكن التأسيس لعلاقة إنسانية بين الغير والأنا؟
    سبق أن حددنا الغير مع سارتر باعتباره "أنا آخر" un autre moi ، "أنا ليس أنا" un moi qui n’est pas moi  وهو ما يجعله مستقلا عن الأنا ومنفصلا عنه فكل واحد منهما موضوع خارج عن الآخر، وهو ما يجعل وجود أحدهما سلبا للآخر ونفيا له، وذلك حين يسعى كل واحد منهما لتشييء الآخر والنظر إليه كموضوع فاقد لمقومات الشخص من وعي وإرادة وحرية، هذا التنافس على التشيئ وفي نفس الوقت على إثبات الذات وانتزاع الاعتراف هو ما قد أكده من قبل الفيلسوف الألماني هيجل، مبينا في جدلية العبد والسيد أن العلاقة بين الأنا والغير قائمة على الصراع الذي يؤدي في النهاية إلى تفاعل الذوات الإنسانية ودخولها في علاقات جدلية. فالذات لن تأخذ مكانها في الوجود إلا باعتبارها السيد أو العبد.هذا الصراع مستمر في الزمان والمكان بما أن كل ذات تسعى إلى انتزاع الاعتراف بشكل دائم. يترتب على ذلك أن العلاقة مع الغير علاقة صراعية صدامية (هيمنة-قوة-سيادة-سيطرة) وهي جوهر الوجود البشري العلائقي التفاعلي. لكن هل يقوم الوجود البشري على علاقة الصراع  والتنافر بين الأنا والغير أم هناك أوجه أخرى لهذه العلاقة؟



   قد يشكل الصراع وجها من أوجه العلاقة مع الغير إلا أنه ليس الوجه أو التجلي الوحيد. فالأنا والغير يرتبطان أيضا بعلاقات حب واحترام، وأكثر من ذلك تضحية وإيثار وهي قيم أخلاقية تساهم في بناء الوجود المشترك وتنميه. يعبر عن هذا الموقف الفيلسوف الألماني كانط يدعو إلى أن العلاقة مع الغير ينبغي أن تتأسس على مبادئ وقيم أخلاقية تبني علاقات إنسانية سامية. وهذا ما تمثله الصداقة باعتبارها رابطة حب واحترام اتجاه الغير في إطار الواجب الأخلاقي الذي يقتضي احترام الذات والغير كتجسيد لاحترام الإنسانية. يمكن للصداقة أن تعترضها صعوبات تجعلها عبئا ثقيلا على الذات، لكنها تظل ضرورية ما دامت واجبا عقليا أخلاقيا خالصا منزها عن المصلحة والمنفعة. هذه الضرورة سبق للفيلسوف اليوناني أرسطو أن أكد عليها، معتبرا الصداقة حاجة طبيعية، لأنها نتاج الإحساس الطبيعي الفطري بالحب نحو الآخر. هذا الإحساس مشترك بين جميع الكائنات. لكن الصداقة بالنسبة للإنسان فضيلة أخلاقية وعلامة على الإرادة الخيرة والطيبة، وهي ضرورية لأن لا أحد يقبل العيش بدون أصدقاء ولو كان يملك كل الخيرات " إن الأصدقاء هم الملاذ الوحيد في حالة البؤس والشدائد".

   إذن فالصداقة واجب أخلاقي وهي علاقة تعاطف وتواصل، كما أنها تعبير عن الإرادة الطيبة. قد يبدو من المستحيل تحقيق الصداقة بهذه المواصفات، لأنها مثال ونموذج خيالي، لكن من الواجب السعي في طريق جعلها واقعا وذلك بإظهار مشاعر الحب والاحترام بشكل حماسي دافئ.
   هكذا تخرج الذات من ذاتها لتنفتح على الغير وتتجاوز أنانيتها إلى الغيرية حيث تؤثر الغير وتضحي وتحيا من أجله. لا يمكن للأنا أن يرد ولو جزءا صغيرا مقابل ما تلقاه منها. هنا لا يمكن للذات أن تعيش لذاتها من لذاتها الصغيرة ومصالحها الضيقة وسعيها ّإلى إشباع رغباتها. إن التضحية حسب أوغست كونت، تقتضي الوعي بفضل الإنسانية على الذات وتضحية الآخرين من أجل أن نكون ما نحن عليه الآن (الوالدان الأنبياء المناضلون..). إنهم جنود مجهولون منحوا من وقتهم وجهدهم وحياتهم من أجل أن نحيا. إذن ما دمنا نحيا بفضل الغير فعلينا أن نحيا من أجل الغير كنوع من رد الجميل. يقول كونت" الكائنات البشرية المنحطة هي التي تطمح لأن تحيا على حسب الغير لأنها تعبر بذلك عن أنانيتها الهمجية"، في حين أن لذة الوفاء والتعاطف ومساعدة الآخرين سيجعلها تفهم معنى آخر للحياة التي ليست في اتجاه واحد هو الأخذ والتملك، إنها في اتجاهين متقابلين : عطاء وأخذ (قوانين الحياة).


    كتركيب عام يمكن القول بأن الراهن في علاقة الغير بالأنا تقوم بالفعل على الأوجه السابقة، إلا أن الذي يطغى عليها هو الصدام والصراع الذي يتخذ أبعادا حضارية وسياسية واقتصادية تجعل الفلسفة في حاجة إلى بذل الجهد من أجل بث قيم التسامح والتعايش وقبول الاختلاف الذي لا يعني بالضرورة أنه يوجد خارج الذات أو الأنا وإنما هو مكون أساسي لها، هذه الأنا التي تعبر عن الشخص كمجموعة مكونات متناقضة ومختلفة تجعل الشخص يشعر بالغرابة أمام ذاته. لذلك فادعاء الاختلاف كمبرر للدخول في علاقات صراع مع المختلف لن يكون إلا منازلة دونكيشوتية لأعداء وهميين هم عبارة عن طواحين لا يمكن أن نواجهها، بل هي التي ستطحننا. وأخيرا هل يمكنني أنا أن أوجد في مقابل ومواجهة الغير الذي هو ليس أنا؟ هل يمكنني أن أواجه 6 ملايير "غير"؟ قد يبدو السؤال تافها لكن طرحه يجعلنا نعيد النظر في مجموعة من القناعات، وعلى ضوئه نقرأ الأحداث قراءة جديدة، حيث تبدو لنا بعض الصراعات الجارية اليوم نوعا من العبثية والعدمية.

انظر أيضا:
   


التعليقات
0 التعليقات