تصحيح مبسط لامتحان وطني في مادة الفلسفة صيغة النص
موضوع النص: إشكالية الهوية الشخصية
" إن المعيار الغالب للحكم على أن الشخص هو هو. كما يرى الحس العام. هو استمرارية الجسد المادية عبر الزمن. وهو المعيار نفسه الذي نستخدمه للحكم على أن الدرجات الهوائية أو غيرها هي نفسها دون سواها . أما إذا تحدثنا بخلاف ذلك. فإن حديثنا سيكون على سبيل الاستعارة [ كأن أقول مثلا |أنا إنسان جديد]، فلو صح هذا القول لما كان بوسعي التفوه به. و الحقيقة أننا نشعر أن هويتنا الجسدية عبر الزمن أمر معقد و أنها تتأكد من خلال المعرفة الداخلية بماضينا التي تأتي بها الذاكرة. يجب ألا يثير دهشتنا على الإطلاق كون الذاكرة نفسها تتصل بالضرورة بأدمغتنا و بأجسادنا. و إذا كانت ذكرى الماضي قد سببها لنا حدث ما . أي ما حدث لأجسادنا و أدمغتنا. فمن غير المدهش أن استمرارية هذه الأجساد عبر الزمن يجب في بعض الأحيان على الأقل. أن يتأكد من خلال معيار الذاكرة."
حلل وناقش النص
1. الفهم: تأطير إشكال الهوية الشخصية
يتأطر هذا النص ضمن المجال الإشكالي للوضع البشري، الذي يتناول شروط الوجود الإنساني ومحدداته في أبعاده المختلفة. ويعالج مفهوم الشخص باعتباره ذاتًا واعية، حرة، ومسؤولة. فالشخص هو ذات مفكرة وواعية، حرة في تصرفاتها، ومستقلة في إرادتها، ومسؤولة قانونيًا وأخلاقيًا عن أفعالها. وبذلك يمتلك الشخص هوية خاصة تميزه عن غيره، إذ يشعر بأنه الشخص نفسه في مختلف مراحل حياته؛ أي أن له «أنا» يُرجِع إليها أفعاله وأحاسيسه... رغم ما يلحقه من تغيرات طيلة مراحل حياته.
وانطلاقًا من هذا التقابل يثير النص إشكال أساس الهوية الشخصي والذي يمكن صياغته في الأسئلة الآتية: ما المقومات التي تحدد هوية الشخص؟ وهل يمكن اختزال هذه الهوية في محددات جسدية، أم أنها تقوم على محددات نفسية أو عقلية؟ ثم، هل يعني القول بوحدة الهوية الشخصية ثبات الأنا، أم يدل على قابليتها للتغير؟
2. التحليل: الجسد والذاكرة كأساس للهوية
يرى صاحب النص أن الهوية الشخصية تقوم على استمرارية الجسد عبر الزمن المرتبطة بالذاكرة. وقد أكد على وجود علاقة بين الجسد والذاكرة في تحديدها لهوية الشخص. فالجسد هو معيار الحكم على ثبات الهوية الشخصية لدى الإنسان عبر الزمن. وأي معيار خارج ذلك هو مجرد استعارة لا غير. وبما أن الهوية الجسدية معقدة فإن الذاكرة تتدخل لتأكيدها من خلال المعرفة الداخلية بماضينا. والذاكرة هي الأخرى لا يمكن فصلها عن الجسد أو التفكير. وهذه العلاقة المتبادلة بين هذين العنصرين هي التي تمنح كل شخص هوية تميزه عن غيره.
ولتعزيز أطروحته وتدعيمها، اتبع صاحب النص خطة حجاجية محكمة، منطلقا بتأكيده على أن معيار الهوية الشخصية هو استمرارية الجسد المادي عبر الزمن. وقد وضح فكرته بإعطاء مثال الدراجات الهوائية ليبين أن مظهرها الخارجي هو الذي يميزها عن سواها ويسمح لنا بالقول إنها دراجة هوائية. كما اعتمد المقارنة بين الإنسان والدراجة الهوائية لتدعيم أطروحته؛ فكما تُعرف الدراجة باستمرارية بنيتها المادية، فإن الشخص يُعرف، في نظره، باستمرارية جسده عبر الزمن. وقد أسهمت هذه المقارنة في تقريب الفكرة وتوضيح المعيار المادي للهوية الشخصية.
بعد ذلك انتقل للاستدلال على أن أي حديث خارج هذا المعيار الخارجي هو من قبيل الاستعارة فقط. وقد وضح ذلك بتقديمه لمثال قول الإنسان "أنه إنسان جديد" ليؤكد على أن هذا التجديد أو التغيير الذي يشير له لا وجود له في الواقع. إذ لو كان ذلك صحيحا لما بقي شيء في داخله يخبره بأنه تغير. ثم انتقل لعرض أطروحته التي مفادها أن أساس الهوية الشخصية هو استمرارية الجسد عبر الزمن والذي يستند في ذلك إلى الذاكرة التي تتصل بنفسها بالجسد الخارجي والعالم الباطني. وفي الأخير استدل على أن استمرارية الأجساد عبر الزمن يتأكد من خلال معيار الذاكرة.
يمكن القول إن صاحب النص يختزل هوية الشخص في استمرارية جسده عبر الزمن، وهذا الأخير يعود إلى ذاته باستمرار بفضل وعيه الداخلي الذي تجسده الذاكرة.
3. المناقشة: تعدد التصورات الفلسفية
في نفس السياق أكد جون لوك على أن هوية الشخص متجذرة في الزمن. وأن الشخص يدرك بأنه الشخص ذاته في أزمنة وأمكنة مختلفة، غير أنه ركز في ذلك على الوعي بأفعاله وإدراكه. ففي نظره هوية الشخص تتأسس على الشعور الذي تخلقه لديه أفعاله، وبما أن الوعي يرافق الفكر باستمرار، فهذا ما يجعل كل واحد منا يطلق على ذاته اسم "أنا" ليميزها عن باقي الذوات. هذا التصور التجريبي يركز على معطيات الحواس. وإضافة إلى تركيزه على الوعي بالأفعال وإدراكها، ركز أيضا مثل صاحب النص على الذاكرة، نظرا لكونها امتداد للوعي في الماضي.
في المقابل، على النقيض من الموقف الذي تبناه صاحب النص، شوبنهاور يحدد الشخصية في الإرادة، أي الإرادة للحياة. فهذه الأخيرة تبقى ثابتة. وبالرغم من التغيرات التي يحملها الزمن إلى الإنسان، إلا أن شيئا يبقى فيه لا يتغير هو أساس ونواة وجوده الذي لا يتأثر بالزمن. وهذا الشيء لا يتمثل في الشعور المرتبط بالذاكرة، فأحداث الماضي يعتريها النسيان، والذاكرة معرضة للتلف بسبب المرض أو الشيخوخة. لذلك فحسب شوبنهاور أساس الهوية الشخصية هو الإرادة التي تمثل نواة وجودنا والذات الحقيقية المحركة لوِعينا وذاتنا العارفة.
كما أكد ديكارت هو الآخر على أن هوية الشخص لا تتحدد في معيار خارجي جسدي على عكس صاحب النص. وقد أكد على التفكير كخاصية جوهرية في الإنسان وصفة من الصفات التي يتوقف عليها وجوده. إذ يقول: "أنا موجود ما دمت أفكر، فقد يحصل أني متى انقطعت عن التفكير تمامًا انقطعت عن الوجود بتاتًا." وقد توصل إلى هذه الحقيقة بفضل الشك المنهجي، وأكد على تعدد أفعال الأنا كالشك والتخيل والإثبات والنفي...
من هنا نستخلص أن مسألة الهوية الشخصية تميزت بتعدد التصورات واختلافها، نظرًا لتنوع المرجعيات الفلسفية وتباين وجهات نظر الفلاسفة، فضلًا عن تعقد الإشكال الذي يثيره مفهوم الشخص. لذلك، يصعب اختزال هوية الشخص في مكون أو مقوم واحد. فقد تكون الأنا قائمة على الوحدة والتطابق، وقد تكون متغيرة بتغير الشخص نفسه.
غير أن الأكيد هو أن الهوية الشخصية تتشكل من تفاعل مجموعة من المقومات، من قبيل: الجسد، والذاكرة، والشعور، والتفكير، والطبع. والمهم، في النهاية، أن يكون الشخص، بما يمتلكه من هوية، قيمة في ذاته، وأن يكون وجوده ذا قيمة سامية تعلو ولا يُعلى عليها بين سائر الكائنات.
