مفهوم الواجب | المحور الأول: الواجب والإكراه
تأطير إشكالي للمحور
وتتخذ هذه المفارقة أبعاداً مختلفة باختلاف مصدر الإلزام، وهو ما يضعنا أمام ثنائية متقابلة:
- 🧠 الإلزام الذاتي: هل يستند الواجب إلى سلطة العقل والضمير بما يجعله إلزاماً ذاتياً حراً؟
- 👥 الإكراه الخارجي: أم أنه يستمد قوته من المجتمع وقيمه وقواعده بما يجعله إلزاماً خارجياً؟
- 🌱 التلقائية الحيوية: أم أن الفعل الأخلاقي لا يحتاج أصلاً إلى منطق الإكراه، لأنه يصدر تلقائياً عن حيوية الإنسان وطبيعته؟
؟ الإشكال المركزي للمحور
أطروحة إيمانويل كانط: الواجب كتشريع عقلي وإلزام ذاتي
يرى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط أن الواجب لا يستمد مشروعيته من المصلحة أو المنفعة أو الميل، وإنما من العقل العملي الذي يشرع بنفسه القانون الأخلاقي. فالإنسان لا يكون أخلاقياً إلا عندما يمتثل لهذا القانون احتراماً له، لا طمعاً في منفعة ولا خوفاً من عقاب.
"إن الإلزام الأخلاقي ليس قهراً خارجياً، بل هو إلزام ذاتي حر تمارسه الإرادة العاقلة على نفسها، وتصبح طاعة القانون التعبير الأسمى عن الحرية."
ومن ثم فإن ارتباط الواجب بالعقل عند كانط يمنحه طابعاً كلياً وكونياً، لأن العقل قاسم مشترك بين جميع البشر، بخلاف الميول والرغبات الشخصية التي تختلف باختلاف الأفراد وتتغير بتغير المصالح.
مقاربة إميل دوركايم: الواجب كإلزام اجتماعي
يوافق إميل دوركايم كانط في أن الواجب يتضمن معنى الإلزام، لكنه يختلف معه جذرياً في تحديد مصدره. فالواجب، في نظره، لا يصدر عن العقل الفردي المجرد، وإنما عن المجتمع باعتباره سلطة أخلاقية متعالية تفرض على الأفراد منظومة من القيم والقواعد والمعايير التي تضمن استمرار الحياة الجماعية وتماسكها.
غير أن المجتمع لا يعتمد الإكراه المادي الفج وحده، بل يجعل الأفراد يتشربون هذه القيم بعمق من خلال آليات التربية والتنشئة الاجتماعية حتى تصبح جزءاً لا يتجزأ من ضمائرهم، فيؤدون واجباتهم عن اقتناع ورضا. وهكذا يتخذ الواجب عند دوركايم صورة إلزام اجتماعي يمتزج فيه سلطان الجماعة بالقبول النفسي للفرد.
نقد جان ماري غويو: تجاوز منطق الإكراه
على نقيض التصورين السابقين، ينتقد الفيلسوف الفرنسي جان ماري غويو فكرة حصر الواجب في منطق الإلزام والامثتال، سواء كان مصدره العقل الكانطي أو المجتمع الدوركايمي. ويرى أن الأخلاق الحقيقية لا ينبغي أن تؤسس على القسر، أو الأمر، أو النفي، بل على حيوية الحياة وتدفقها.
"السلوك الأخلاقي ليس استجابة لأمر ملزم، بل هو تعبير تلقائي عن امتلاء الحياة، وخصوبتها، وفيض طاقتها الداخلية."
فالإنسان يحمل في داخله طاقة طبيعية حيوية تدفعه دفعاً نحو العطاء والإبداع والتعاون مع الآخرين دون حجة لقانون يفرض عليه ذلك. فالواجب هنا ليس قانوناً مقيداً، وإنما هو مظهر من مظاهر النمو الطبيعي لقدرات الإنسان واستعداده الفطري للبذل، ولذلك ينبغي أن تتناسب الواجبات دوماً مع إمكانات الإنسان وطاقته الفعلية.
خلاصة تركيبية للمحور
تكشف هذه المواقف الفلسفية السجالية أن مفهوم الواجب لا يحيل إلى دلالة أحادية، بل يتوزع بين تصورات تختلف باختلاف منبع الإلزام الأخلاقي وأساسه؛ فبينما يرفعه كانط إلى مرتبة الإلزام الذاتي العقلي المستقل، يرده دوركايم إلى القوة القاهر للضمير الجمعي وسلطة المجتمع، في حين يختار غويو اختراق منطق الإلزام برُمته ليعيده إلى حيويته التلقائية النابعة من قدرة الإنسان على العطاء.
إن هذا التعدد يوضح جلياً أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود الواجب الأخلاقي كمعطى، وإنما في فحص الأساس الذي يستمد منه سلطته الأخلاقية: أهو العقل؟ أم المجتمع؟ أم الحياة ذاتها؟ وهو ما يفتح أفق التفكير تلقائياً لمواصلة البحث في المحور الموالي من خلال مساءلة طبيعة الضمير الأخلاقي.
🔗 : تابع إلى المحور الثاني
👉 اضغط هنا (الوعي الأخلاقي)