الدلالة الفلسفية

تركيا المجنونة أو أردوغان الحالم






قبل أيام، حققت تركيا حلمًا كان شبيهًا بالخيال، بوصل قارتي آسيا وأوربا بَرًّا، من خلال نفق -سُمِّيَ نفق مرمراي- جرى شقه تحت مضيق البوسفور بين شطري مدينة إسطنبول؛

حيث سيتمكن الناس من السفر بالقطارات من طوكيو إلى لندن لأول مرة في تاريخ الإنسانية؛ ولذلك شارك في مراسم التدشين إلى جانب أردوغان والرئيس التركي عبد الله جول رئيس الوزراء الياباني شنزو آبي؛ الذي ساهمت بلاده في تمويل المشروع بقيمة مليار دولار من أصل ثلاثة مليارات هي قيمته الإجمالية، كما حضر رئيس الوزراء الروماني فيكتور بونتا وتسعة وزراء من ثماني دول.

جاءت المفارقة الأولى المحيطة بالحدث في ثنايا كلمة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان؛ إذ اعتبر هذا الإنجاز (تتويجًا للتآخي والديمقراطية التي تعتبر من مكتسبات العهد الجمهوري)!! الذي أكمل عامه التسعين في هذه الأيام، مع أنه قام بالقهر والبطش على أنقاض الخلافة العثمانية التي ألغاها أتاتورك؛ وسعى إلى محو كل ما يصل الشعب التركي بإسلامه.. وتكتمل المفارقة بملاحظة أن حلم التواصل البري بين القارتين في إسطنبول يرجع إلى 150 سنة مضت، في ظل الدولة العثمانية، وتحديدًا في زمن السلطان عبد المجيد والسلطان عبد الحميد الثاني، يوم كانت إسطنبول عاصمة عزها، وهي التي أراد التغريب الأتاتوركي قهرها بنقل العاصمة إلى أنقرا.

يذكر أن حجر أساس مشروع (مرمراي) وضع في عام 2004، ويبلغ طوله 13 كيلومترًا منها 1.5 كيلومترات تحت ماء المضيق، وينقل المشروع نحو 75 ألف مسافر في الساعة في الاتجاه الواحد، في حين ينقل نحو مليون و200 ألف مسافر على مدار اليوم، وتبلغ قيمة تذكرة مترو (مرمراي) 1.95 ليرة تركية (دولار أمريكي)، وهي رمزية؛ لأنها تعادل قيمة تذكرة التنقل الداخلي في المدينة لا أكثر.

ومن المثير للانتباه أن نفق مرمراي واحد من ثلاثة مشروعات عملاقة يعكف حزب العدالة الحاكم على تنفيذها، وتوصف في تركيا بأنها "مشاريع مجنونة" بالنظر إلى ضخامتها وحجم تمويلها، وآثارها الاستراتيجية المختلف عليها بحدة، ما بين رهانات كبرى وتشكيك جذري..

إن المهم في هذه النقلة النوعية أنها ليست قفزة استثنائية ولا مشروعًا شعبويًّا، وإنما تأتي في نطاق مسيرة تنموية ظافرة انطلقت قبل نحو عشر سنوات، وسارت بتوثب وتكامل باهرين.

وتوالت المنجزات الكبرى بشهادة الخارج ولو كارهًا، ويلمس المواطن ثمارها في حياته اليومية؛ فهي ليست مجرد أرقام يعتمدها صندوق النقد الدولي كمعطيات شكلية لا تعكس حقيقة توزيع الثروة وتعميم الاستفادة من الخدمات بين شرائح المجتمع.

تقول الأرقام: إن نصيب الفرد التركي من إجمالي الدخل القومي لبلاده كان 2,300 دولار في عام 2002م-عشية تسلم الإسلاميين مقاليد الحكم -بينما قفز الرقم الآن إلى 11,000 دولار.. وارتفع الدخل القومي من 220 مليار دولار إلى 650 مليار في الفترة ذاتها، وعلى النقيض من ذلك انخفض معدل التضخم من 30% إلى 6.4%، وارتفعت الأجور والمرتبات بنسبة 200%، وتخلصت تركيا من ديونها الهائلة -23 مليار دولار- التي كانت قد وضعتها على حافة الإفلاس على يد أسلافهم التغريبيين الفاسدين المفسدين.

وفي حقل التعليم باعتباره الاستثمار الحضاري الأثمن كان في البلاد 76 جامعة؛ ضاعفها الإسلاميون بنسبة تتجاوز 100% (أضافوا 80 جامعة جديدة)، وأحسنوا توزيعها في أنحاء تركيا كافة، وأصبحت ميزانية التعليم أكبر من ميزانية الدفاع للمرة الأولى في تاريخ تركيا الحديث.

لذلك كان من تحصيل حاصل انتقال الاقتصاد التركي من قاع المتخلفين إلى المرتبة السابعة عشرة عالميًّا، وسادس اقتصاد أوربي، واضطر الكبار إلى إدخال تركيا في عضوية مجموعة العشرين " G-20"..

عن موقع راغب السرجاني

التعليقات
0 التعليقات