الدلالة الفلسفية

اللغة خاصية إنسانية


    إذا كانت اللغة ظاهرة إنسانية، فما الذي يجعلها كذلك؟ وإذا جاز لنا الحديث عن لغة عند الحيوان، فما الفرق بينها وبين لغة الإنسان؟


    إذا كانت اللغة مقتصرة على الإنسان فلأنه يمتلك العقل عكس الحيوانات الأخرى. وإذا كانت الحيوانات عاجزة عن الكلام فليس لأن أعضائها غير مناسبة لذلك ولكن لأنها لا تمتلك فكرا حسب ديكارت. وبالتالي فاللغة ليست مجرد تجميع كلمات فقط، ولكنه فيما يقال وقول ما تم التفكير فيه. ومن هنا ارتباط الكلام بالفكر والعقل ارتباطا وثيقا. الموقف الفلسفي إذن والذي يمثله هنا ديكارت ينفي وجود لغة عند الحيوان. غير أن التصور اللساني يرى أن هناك تواصلا فيما بين الحيوانات وذلك بناء على دراسات علمية. فقد لاحظ العالم الألماني كارل فون فريش K.V.Frish  أن النحل يتواصل فيما بينه من خلال إنتاج رسالة هي عبارة عن حركة في شكل 8 وتتضمن أربع معلومات هي وجود الغذاء وطبيعته ومسافته واتجاهه.استفاد عالم اللسانيات الفرنسي بنفينيست Benveniste  إلى هذه الدراسة ليتساءل حول ما إذا كان التواصل عند الحيوان يشكل لغة حقيقة مثل الغة الإنسانية؟
    يلاحظ بنفينيست أن التواصل عند النحل هو مجرد حركة تقوم بها النحلة بالاستجابة الآلية. في هذا النوع من التواصل يغيب الحوار، ذلك أن النحل يتوجه آليا إلى الزهرة كما أنه عاجز عن بناء رسالة انطلاقا من رسالة أخرى. كما أن تلك اللغة غريزية تعود إلى الوراثة البيولوجية ولا تتطلب بالتالي تعلما.. كما أن التواصل عند الحيوان لا يتطور ولا يتبدل أي أنه ليس له تاريخ.
وإذا كان الحيوان يشترك مع الإنسان في خاصية التواصل، فإن لغة الإنسان تتميز عن لغة الحيوان بخاصية أساسية هي التمفصل articulation  . لقد أكد Saussure  وغيره من اللسانيين على هذه الخاصية والتي تتخذ شكلين:

1-   تمفصل المنطوق إلى وحدات صوتية دالة تسمى مونيمات 
2-   تمفصل المونيمات إلى وحدات صوتية غير دالة تسمى فونيمات
في التمفصل الأول يمكن تفكيك العبارة إلى مونيمات، وفي التمفصل الثاني يمكن  تجزيء المونيم إلى فونيمات وإعادة تركيبها لتكوين معاني أخرى. هذه الخاصية تعطي اللغة الإنسانية إمكانية قول الكثير بأقل ما يمكن ، فعدد قليل جدا ومحدود منالفونيمات يمكننا من تكوين عدد كبير منالمونيمات، وهذه الأخيرة تمكننا عند إعادة تركيبها من تأليف غير محدود من المنطوقات. هذه الخاصية تمثل الجانب الاقتصادي في الللغة اللإنسانية. وهكذا فالتواصل الإنساني أغنى من التواصل عند الحيوان.

    بناء على ما سبق تعتبر اللغة خاصية إنسانية حتى وإن كانت الكائنات الأخرى قادرةعلى التواصل بينها . فاللغة باعتبارها نتاجا للعقل تختلف عن كل أشكال التواصل الحيواني الذي يظل في مستوى الغريزة التي لا تتطور ... وهذا ما يجعل اللغة حكرا على الإنسان الذي يعيش وسط علم من الكلمات أكثر مما يعيش بين الأشياء. والسؤال المطروح ما طبيعة العلاقة بين الكلمات والأشياء؟

التعليقات
0 التعليقات