الدلالة الفلسفية

استحالة الدراسة الموضوعية للظاهرة الانسانية


يقول الفيلسوف البلجيكي جان لادريير (Jean Ladrière)  باستحالة دراسة الظواهر الاجتماعية دراسة موضوعية علمية؛ لأن هذه الدراسة تغفل الجوانب الذاتية، ولاتعنى بدراسة المقاصد والقيم والغايات التي ترتبط بتصرفات الفاعلين وسلوكياتهم داخل المجتمع. ومن ثم، يكون التركيز - هنا- على التفسير في ضوء الحتمية أو الجبرية الاجتماعية، وتهميش دور الفهم في رصد دلالات الفعل الإنساني. كما أن تبني المقاربة الذاتية أو التفهمية يلغي البعد الخارجي من الظاهرة الاجتماعية، ويكون التركيز فقط على ماهو داخلي ودلالي وفردي. ومن هنا، يصعب على الباحث السوسيولوجي أن يكتفي بمنهج واحد، ويستغني عن الآخر. وبالتالي، يستحيل تطبيق التجريب العلمي على الظاهرة الإنسانية.لذا، لابد من البحث عن بديل جديد أو علمية أخرى تتجاوز نطاق العلمية التجريبية، كأن تكون علمية مرنة تتلاءم مع مرونة العلوم الإنسانية.  أي: يدعو جان لاديير إلى تدشين صورة مغايرة للعلمية. وفي هذا الصدد، يقول جان لاديير:" هل بوسعنا أن نعتمد في مجال دراسة الظواهر الاجتماعية على المناهج التي برهنت على جدارتها في ميدان علوم الطبيعة؟...وهل بالإمكان دراسة العناصر المكونة للفعل الانساني بالكيفية نفسها التي ندرس بها خصائص موضوع من الموضوعات الفيزيائية؟ ألا نجد أنفسنا، بخلاف ذلك، إزاء منظومة واقعية تستعصي، بشكل جذري، عن كل محاولة للموضعة، وذلك نظرا لأسباب مبدئية؟
يبدو ترتيبا على هذا،أننا أمام إمكانيتين اثنتين، الأولى تتطلب ايجاد وسيلة  وضع الفاعلين بين قوسين، وذلك من خلال العمل على إبراز الأنساق التي يمكن دراستها عن طريق اعتماد المناهج التي برهنت عن جدارتها في دراسة الأنساق المادية...
والإمكانية الثانية، تكمن في التخلي، بشكل كلي، عن كل المصادر الي يمكن أن تقترح من قبل علوم الطبيعة، وذلك عبر إنشاء أداة تحليل أصيلة تتلاءم وطبيعة الموضوع المدروس(الظواهر الإنسانية والاجتماعية).أي: تتلاءم والإطار العام للفعل الإنساني...
إلا أن كل طريق من هذين الطريقين تعترضه صعوبات، فإذا قررنا تناول الوقائع الاجتماعية بوصفها أشياء أو أنساقا مادية...فإننا سنطرح، بذك، من مجال المعرفة كل ما يتصل بنظام الدلالات ونسق المقاصد والغايات والقيم...
ومن جهة ثانية، إذا اخترنا طريق الفهم، ألا نتقيد بمنظور ذاتي بشكل لافكاك منه؟
إن حقل الظواهر الإنسانية والاجتماعية يمكن أن يمنحنا صورة للعلمية مغايرة للعلمية في مجال الظواهر الفيزيائية، إلا أن هذا لا يعني انتظار ظهور نمط لعلوم الإنسان مغاير كلية للشكل المميز للعلوم الطبيعية. "
وعليه، يدعو جان لاديير إلى بديل آخر للعلمية، والسعي نحو إيجاد أداة أصيلة جديدة لمقاربة العلوم الإنسانية بصفة عامة، والعلوم الاجتماعية بصفة خصة، لكن لايمكن تبني هذا الطرح حتى يتم استكشاف هذا العلم البديل، والتحقق من هذه العلمية المغايرة، وتبيان خطواتها النظرية والتطبيقية، وإلا سنكون عدميين. ويعني هذا أنه لابد من التوفيق بين المنهجين: التفسيري والتفهمي لدراسة الظواهر الاجتماعية حتى يتحقق لنا بديل علمي إنساني جديد.


التعليقات
0 التعليقات